الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الأول

في محله

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

كتاب القراض

ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض ، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام . وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال ، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا ، أو ربعا ، أو نصفا ، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة ، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس ، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد ، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد .

وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه ، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي .

وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير ، والدراهم ، واختلفوا في غير ذلك .

وبالجملة فالنظر فيه : في صفته ، وفي محله ، وفي شروطه ، وفي أحكامه ، ونحن نذكر في باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائلهم .

[ ص: 588 ] الباب الأول

في محله

أما صفته : فقد تقدمت ، وأنهم أجمعوا عليها . وأما محله : فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم ، واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض ، وجوزه ابن أبي ليلى .

وحجة الجمهور : أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا; لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ، ويرده وهو يساوي قيمة غيرها ، فيكون رأس المال والربح مجهولا .

وأما إن كان رأس المال ما به يباع العروض ، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا ، وأجازه أبو حنيفة .

وعمدة مالك : أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها ، فكأنه قراض ، ومنفعة ، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول ، فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول ، ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك من البيع ، وحينئذ ينض رأس مال القراض ، وكذلك إن أعطاه العرض بالثمن الذي اشتراه به ، ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز ، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى ، بل هو الظاهر من قولهم; فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطي الرجل ثوبا يبيعه ، فما كان فيه من ربح فهو بينهما ، وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب ، ويشبه أيضا إن جعل رأس المال الثمن أن يتهم المقارض في تصديقه رب المال بخرصه على أخذ القراض منه .

واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة ، فروى عنه أشهب منع ذلك ، وروى ابن القاسم جوازه ، ومنعه في المصوغ ، وبالمنع في ذلك قال الشافعي ، والكوفي ، فمن منع القراض بالنقد شبهها بالعروض ، ومن أجازه شبهها بالدراهم ، والدنانير لقلة اختلاف أسواقها .

واختلف أيضا أصحاب مالك في القراض بالفلوس ، فمنعه ابن القاسم ، وأجازه أشهب ، وبه قال محمد بن الحسن .

وجمهور العلماء مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه .

أما العلة عند مالك : فمخافة أن يكون أعسر بماله ، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه ، فيكون الربا المنهي عنه .

وأما العلة عند الشافعي ، وأبي حنيفة : فإن ما في الذمة لا يتحول ويعود أمانة .

واختلفوا فيمن أمر رجلا أن يقبض دينا له على رجل آخر ، ويعمل فيه على جهة القراض فلم يجز ذلك مالك ، وأصحابه; لأنه رأى أنه ازداد على العامل كلفة ، وهو ما كلفه من قبضه ، وهذا على أصله أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه فاسد .

وأجاز ذلك الشافعي ، والكوفي ، قالوا : لأنه وكله على القبض ، لا أنه جعل القبض شرطا في المصارفة ، فهذا هو القول في محله . وأما صفته : فهي الصفة التي قدمناها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث