الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في الواجب من المقاصد والوسائل

الفصل الثاني: في الواجب من المقاصد والوسائل.

أما المقصود المطلوب لذاته، وهو المعبود، فلا يجوز أن يعبد إلا الله لا إله إلا هو، وهذا أصل الدين وأساسه ودعامته، وأوله وآخره، وباطنه وظاهره. والوسيلة هي الأعمال الصالحة الحسنة، إذ ليس كل عمل يصلح لأن يعبد به الله، ويراد به وجهه، وليس كل ما كان في نفسه حسنا وصلاحا يراد به وجه الله وليس بصالح، مثل عبادات المبتدعة المخلصين، كرهبانية النصارى التي قال الله فيها: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، ومثل ما في هذه الأمة من أنواع المقالات والعبادات التي فعلها صاحبها لله، لكن بغير [ ص: 22 ] إذن من الله، مثل بدع الخوارج، واستحلالهم ما استحلوه من مفارقة السنة والجماعة، حتى قال شاعرهم في قاتل علي بن أبي طالب- وهو أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي-:


ياضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا     إني لأذكره حينا فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا

وكذلك ما عليه كثير من القدرية والمرجئة والجهمية والرافضة، وغيرهم من أهل البدع الاعتقادية إذا كانوا فيها مخلصين مريدين التقرب بها إلى الله.

وكذلك ما عليه كثير من المبتدعة في العبادات والأحوال، من الصوفية والعباد والفقهاء والأمراء والأجناد والولاة والعمال، فكثير من هؤلاء قد يزين له سوء عمله فيراه حسنا، ويتقرب إلى الله بشيء يظنه حسنا، وهو شيء مكروه، وهذا باب واسع.

ومن هذا الباب عبادات اليهود والنصارى التي يتقربون بها إلى الله ويخلصون فيها، قال الله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وسئل عنهم سعد بن أبي وقاص فقال: "هم أهل الصوامع والديارات" . وسئل عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: "هم أهل [ ص: 23 ] حروراء"

ولا منافاة بين القولين، فإن مثل هذا الكلام قد لا يكون للتحديد، وإنما يكون للتمثيل، كمن سئل عن الخبز فأخذ رغيفا وقال: هو هذا. ففسروا الضالين من عباد الكفار وعباد أهل البدع، وقد أخبر الله أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأخبر أنهم يرون أعمالهم السيئة حسنة، فهم مع رأي وحسبان غير مطابق للحقيقة.

القسم الثالث: ما يكون صالحا، ولا يريد به فاعله وجه الله، وهذا أيضا كثير، مثل ما يعمله العاملون من الأعمال الظاهرة المشروعة من إقراء العلم والقرآن، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وجهاد في سبيل الله، وعدل بين الناس، وإحسان إليهم من صدقة ومعروف وإصلاح بين الناس، ولهذا قال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وقال عن المتصدقين: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" .

وقد ثبت في صحيح مسلم حديث أبي هريرة في متعلم العلم [ ص: 24 ] والمقتول في الجهاد وفي المتصدق إذا لم يكونوا مخلصين، وأنهم أول ثلاثة تسجر بهم النار.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث