الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وفي بيع الأرض طريقان : من أصحابنا من قال : فيه قولان ، لأنها في يد البائع إلى أن يحصد الزرع ، فكان في بيعها قولان كالأرض المستأجرة ، ومنهم من قال : يصح بيع الأرض قولا واحدا لأن المبيع في يد المشتري ، وإنما يدخل البائع للسقي أو الحصاد ، فجاز بيعه قولا واحدا كالأمة المزوجة ) .

التالي السابق


( الشرح ) الطريقان مشهوران ، والأولى منسوبة إلى أبي إسحاق المروزي ، وجمهور الأصحاب على الطريقة الثانية ، وهي التي صححها الرافعي وغيره وقاسوها على بيع الدار المشحونة بأمتعة البائع ، وعلى بيع الأمة المزوجة ، وفرقوا بينها وبين الدار المستأجرة بأن يد المستأجر حائلة بكل حال ، فكان كما لو أجر أمته ثم باعها بطل [ ص: 92 ] البيع على أحد القولين ، ولو زوجها ثم باعها صح البيع قولا واحدا ، وذكر الشيخ أبو حامد أن الأصحاب فرقوا بفرقين آخرين لا يتضحان لم نذكرهما ، ورد الجمهور طريقة التخريج على القولين بأنه لو كان في معنى تلك الصورة لوجب القطع بالفساد لأن مدة بقاء الزرع مجهولة ، ألا ترى أن بيع الدار التي استحقت المعتدة سكناها ، إذا كانت العدة معلومة كالأشهر فيها قولان ؟ وإذا كانت مجهولة كالحمل والإقراء بطل قولا واحدا . وذكرابن الرفعة سؤالا قد يعترض به على هذا ، وهو أن لأبي إسحاق أن يقول : مدة الزرع - وإن لم تعلم يقينا - فالعرف الغالب يضبطها ، فإن فرض مخالف فنادر ، وزمنه يسير مغتفر ، والمنع من بيع دار المعتدة بالأقراء ليس لما ذكر ، بل لأنها قد تموت فتكون المنفعة عائدة للمشتري ، ولهذا نقول على طريقة قاطعة لا يصح ، وإن كانت عدتها بالأشهر ، وهذا السؤال مندفع بمن لها عادة مستقيمة في الأقراء والحمل ، فإنه لا يصح بيع الدار التي استحقت سكناها للعدة ، وإن كانت العادة تضبطها ، فلما لم يغتفر ذلك كذلك لا يغتفر مثله في مدة الزرع .

( وقوله : ) إن المنع من بيع دار المعتدة بالأقراء ليس لما ذكر إلى آخره لا يحسن ، فإن الكلام إنما هو في القطع بالفساد ، ولا يجوز أن تكون العلة في ذلك ما ذكره وإلا لقطعنا بالفساد في دار المعتدة بالأشهر ، فمستند القطع بالفساد في دار المعتدة بالأقراء والحمل وعدم إجراء الخلاف فيه إنما هو الجهالة .

( وأما ) قوله : إن المنافع تكون عائدة للمشتري ، فاعلم أن المنقول في توجيه الطريقة القاطعة التي ذكرها أن منفعة الدار المعتد فيها ليست مملوكة للمعتدة ، فإنه لو ماتت كانت منافعها للزوج ، فيكون إذا باعها كمن باع دارا واستثنى منفعتها لنفسه مدة معلومة ، والظاهر فيه البطلان ، والذي يليق بهذه الطريقة إذا صححنا بيعها أن تكون المنافع باقية على ملك الزوج إن كان مطلقا ، أو ورثته إن كان ميتا ، فإذا ماتت المعتدة بقيت منافع بقية المدة من الأشهر على الزوج أو ورثته ، ولا تكون للمشتري ، وإنما تكون للمشتري لو نزلنا استحقاق [ ص: 93 ] المعتدة منزلة استحقاق المستأجر ، فحينئذ يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا عرض ما يفسخ الإجارة : هل تكون منفعة بقية المدة للمشتري أو للبائع ؟ فيه وجهان ، فقد تبين أن السؤال المذكور غير متوجه ، والله أعلم . ( فإن قلت : ) إلحاق بيع الأرض المزروعة بالدار المشحونة بالأمتعة غير متجه لإمكان الاشتغال بتسليم الدار عقيب العقد ، ووجوب ذلك ، فالمنفعة مستحقة للمشتري في تلك المدة بخلاف مدة بقاء الزرع ، وإلحاقها بالأمة المزوجة أيضا غير متجه لأن الأمة المزوجة يمكن تسليمها الآن ووضع اليد عليها بخلاف الأرض المزروعة فإن التخلية التامة مع وجوب إبقاء الزرع غير حاصلة ، فوجب إما القطع بالبطلان أو بدار المعتدة ، ولا قائل به وإما إجراء الخلاف إلحاقا بالعين المستأجرة كما قال أبو إسحاق .

( قلت : ) شرط إلحاق مسألة بأخرى اشتراكهما في مناط الحكم مع عدم الفارق ولا يكفي الاشتراك فيما ليس مناط الحكم في الأصل ، ولا شك أن بين المسائل الخمس قدرا مشتركا من جهة عدم حصول ملك المنفعة للمشتري عقيب العقد ، ولما اتفقوا على صحة بيع الأمة المزوجة دل على أن ذلك غير مقتض لإبطال البيع ، وأن مأخذ البطلان ليس هو عدم حصول المنفعة للمشتري بل عدم القدرة على تسليم العين لثبوت يد المعتدة والمستأجر الحائلتين بين المشتري وبينها ، وأما الأرض المزروعة والدار المشحونة ، والأمة المزوجة ، فثلاثتها مشتركة في أنه لا يد حائلة فالمقتضي للبطلان إذا أجري فيه لعدم اشتراكهما في مناط الحكم ، والأرض المزروعة لها شبه من كل من الدار المشحونة والأمة المزوجة تشبه الدار المشحونة من جهة أن لكل منهما أمدا ينتظر ، ويفترقان في الاشتغال بالتسليم عقيب البيع في الدار دون الأرض ، وتشبه الأمة المزوجة في أن كلا منهما يستحق فيه استيفاء ملك المنفعة على المشتري ، ولا يجب إزالتها عقيب العقد ، ويفترقان في أن الزرع له غاية بخلاف النكاح ، فلذلك حسن قياسها عليها ، وقياسها على الأمة أرجح ، كما فعل المصنف فإنه قد يقال : إن منفعة الدار في مدة التفريغ مستحقة للمشتري ، ولذلك وجب على البائع تفريغها ، [ ص: 94 ] فلم يكن المبيع مسلوب المنفعة بخلاف الأمة المزوجة والأرض المزروعة فإن منفعتهما غير مستحقتين للمشتري مدة بقائهما . ولم أعلم أحدا حكى في صحة بيع الدار المشحونة بالأمتعة خلافا وذكروا الطريقين في الأرض المزروعة قال الإمام : ولا شك أن القياس يقتضي التسوية بينهما ، إذ لا فرق ، ويمكن أن نقول ما ذكرناه من تخصيص الخلاف بالأرض المزروعة . وحكى الإمام في أن المشتري إذا كان جاهلا بأن الدار مشحونة هل يثبت له الخيار ؟ وجهان ، والمذهب ثبوته أما الأرض المزروعة فيثبت الخيار جزما عند الجهل ، سواء قلنا : إن تسليمها يمكن أم لا لعدم إمكان الانتفاع بها في الحال ؟ إلا أن يختار البائع قلع الزرع ويكون غير ضار بالأرض فلا خيار ، كما سيأتي الوجه الذي نقله الإمام في عدم ثبوت الخيار في الدار المشحونة بالأمتعة ، وأن الغالب في العادة اشتمال الدار على أمتعة ثم إنها تفرغ بعد ذلك ، والله أعلم .

( التفريع ) بائع الأرض المزروعة إذا خلى بينها وبين المشتري فهل يحكم بصيرورتها في يده ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) لا ، لأنها مشغولة بملك البائع كالدار المشحونة بالأمتعة ( وأصحهما ) على ما ذكره الإمام والغزالي والرافعي ، نعم لحصول التسليم في الرقبة وهي المبيعة ، وأما الدار المشحونة فالتسليم فيها متأت في الحال ، فلا حاجة تدعو إلى التخلية قبله ، على أن الإمام أورد فيها وجها أن اليد لا تثبت فيها بخلاف الأرض وجعل في المسألتين ثلاثة أوجه ، وادعى أن ظاهر المذهب ثبوت اليد فيها ، وحكاه غير الإمام أيضا . وحكى الغزالي في البسيط وجها أن اليد لا تثبت في الدار ولا تثبت في الأرض فيجتمع من نقله ونقل الإمام أربعة أوجه ، ووجه الفرق على الوجه المحكي في البسيط أن التشاغل بالتفريغ ممكن ، فنزل الممكن الذي لا عسر فيه منزلة الموجود ، قال ابن الرفعة : ولعل القائل بأنه لا يحصل التسليم هو أبو إسحاق المروزي ، فلا يصح إبطال مذهبه ، يعني في البيع إلا بإقامة الدليل على صحة القبض ، وهذان الوجهان في صحة تسليم الأرض المزروعة يؤخذان من لفظ الكتاب ، فإنه ذكر [ ص: 95 ] في تعليل الطريقة الأولى أنها في يد البائع وفي تعليل الثانية أن المبيع في يد المشتري وقد يقول الفقيه : هذان التعليلان متصادمان .

( والجواب ) أن ذلك يحتمل ، إذا كان في أحد الكلامين زيادة كما في هذه الصورة ، فإن في تعليل الطريقة الثانية ما ينبه على دفع خيال التعليل الأول ، وتبين أن قوله : إنها في يد البائع ليس كذلك ، لأن المبيع هو العين ، والعين في يد المشتري ، ودخول البائع لأجل السقي والحصاد المتعلقين بالزرع خاصة لا يمنع ثبوت اليد على العين ، والله أعلم . ( تنبيه ) من قال بصحة تسليمها مزروعة لا شك أنه يقول بصحة البيع ، ومن لم يقل به يحتمل أن يقول بتخريجها على العين المستأجرة كما قال أبو إسحاق ويحتمل أن يجزم بالصحة ويفرق بما تقدم من أن العين المستأجرة عليها يد حائلة ، والأرض المزروعة في يد بائعها ، لكنه قد يكون الزرع لغير البائع وهو مستحق الإبقاء فيساوي يد الإجارة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث