الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية : قوله تعالى : { الميتة } .

                                                                                                                                                                                                              وهي الإطلاق عرفا ، والمراد بالآيات حكما ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل بذكاة ، أو مقتولا بغير ذكاة ، وكانت الجاهلية تستبيحه فحرمه الله تعالى ; فجادلوا فيه فرد الله تعالى عليهم على ما يأتي بيانه في الأنعام إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثالثة : في شعرها وصوفها وقرنها : ويأتي في سورة النحل إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الرابعة : في عموم هذه الآية وخصوصها : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أحلت لنا ميتتان ودمان ، فالميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال } . ذكره الدارقطني وغيره

                                                                                                                                                                                                              ، واختلف العلماء في تخصيص ذلك :

                                                                                                                                                                                                              فمنهم من خصصه في الجراد والسمك ، وأجاز أكلهما من غير معالجة ولا ذكاة قاله الشافعي وغيره .

                                                                                                                                                                                                              ومنهم من منعه في السمك وأجازه في الجراد ، وهو أبو حنيفة .

                                                                                                                                                                                                              ومع اختلاف الناس في جواز تخصيص عموم الكتاب بالسنة فقد اتفقوا على أنه [ ص: 78 ] لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف ، وهذا الحديث يروى عن ابن عمر وغيره مما لا يصح سنده . ولكنه ورد في السمك حديث صحيح جدا : في الصحيحين { عن جابر بن عبد الله أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش ، وزودنا جرابا من تمر ، فانطلقنا على ساحل البحر ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا . قال : فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا ، وذكر الحديث قال : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، فقال : هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟ قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، فأكله } .

                                                                                                                                                                                                              وروي عن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } .

                                                                                                                                                                                                              فهذا الحديث يخصص بصحة سنده عموم القرآن في تحريم الميتة على قول من يرى ذلك ، وهو نص في المسألة .

                                                                                                                                                                                                              [ ص: 79 ] ويعضده قول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } .

                                                                                                                                                                                                              فصيده ما صيد وتكلف أخذه ، وطعامه ما طفا عليه ، أو جزر عنه .

                                                                                                                                                                                                              ومنهم من خصصه في السمك خاصة ، ورأى أكل ميتته ، ومنع من أكل الجراد إلا بذكاة ; قاله مالك وغيره ; وذلك لأن عموم الآية يجري على حاله حتى يخصصه الحديث الصحيح ، أو الآية الظاهرة ، وقد وجد كلاهما في السمك ، وليس في الجراد حديث يعول عليه في أكل ميتته .

                                                                                                                                                                                                              أما أكل الجراد فجائز بالإجماع ، وفيه أخبار منها حديث ابن أبي أوفى : { غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد معه } .

                                                                                                                                                                                                              وروى سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { هو أكثر جنود الله ، لا آكله ولا أحرمه } ، ولم يصح . بيد أن الخلفاء أكلته ، وهو من صيد البر فلا بد فيه من ذكاة على ما يأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : قد قال كعب : إنه نترة حوت . قلنا : لا ينبني على قول كعب حكم ; لأنه يحدث عما يلزمنا تصديقه ، ولا يجوز لنا تكذيبه ، وقد بيناه فيما تقدم .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية