الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك

* * *

الاستفهام هنا للتعجب واستنكار حالهم، أي أن حالهم حال مستنكرة. عندهم النص الصريح في القضية التي يتحاكمون فيها، ومع ذلك يلتمسون الحكم في غير ما عندهم رجاء أن يكون على ما يهوون ويبتغون، وإن كان غير ما يؤمنون فهم ممن اتخذ إلهه هواه، وممن يريدون أن يتبع الحق أهواءهم، لا أن تكون أهواؤهم تابعة للحق تسير في مداره، ولا تخرج عن إطاره، والتعجب والاستنكار يتجهان إلى أمرين:

أولهما: أنهم يتحاكمون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أن الحكم عندهم في التوراة صريح لا مجال للريب، فلماذا يعدلون عن تنفيذ ما عندهم إلى طلب شيء عند النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن يكونوا مؤمنين بصدق ما جاء به، وذلك لم يكن منهم.

والأمر التالي: الذي هو موضوع الاستنكار والعجب أنهم يطلبون من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يعرضون من بعد بيانه لهم. فهم متناقضون في جملة أحوالهم يطلبون الحكم ممن لا يؤمنون بدعوته، مع أن الحكم صريح فيما يؤمنون ثم يعرضون عن الحكم الذي يتلاءم مع ما عندهم.

ويلاحظ أن القرآن الكريم يقرر أن التوراة فيها حكم الله في المسألة التي يختصمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أمرها، فهي تصديق للتوراة في تلك الجزئية، وهي إقامة حد الزنا دون غيرها، فليس لأحد أن يحتج بأن القرآن يقر أحكام التوراة التي كانت بأيدي اليهود في عصر النبي عليه الصلاة والسلام والتي بأيديهم في هذه الأيام، فإن تصديق ما بأيديهم في جزئية من الجزئيات لا يقتضي [ ص: 2197 ] تصديقها في كل ما جاء بها مما في أيديهم، فقد نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه ولا شك أن التحريف لم يتناول الجميع، بل لا تزال فيها أثارة مما نزل على موسى.

ومن المباحث اللفظية في النص الكريم التعبير بـ"ثم"، وبقوله تعالى: "من بعد ذلك"، في قوله سبحانه: ثم يتولون من بعد ذلك

فإن التعبير بـ"ثم"، والبعدية والإشارة للبعيد للتفاوت النفسي المنطقي الكبير والتراخي المعنوي بعد الاحتكام إلى النبي عليه الصلاة والسلام والإعراض عن قوله بعد أن بين حكم التوراة فيما يحتكمون، ولكن المنافق المبطل في مفارقات مستمرة بينه وبين الحق، والمنطق السليم، والعقل المستقيم.

وما أولئك بالمؤمنين في هذا النص الكريم نفي لصفة الإيمان المطلق عن اليهود وأشباههم ممن يجعلون الحق تبعا لأهوائهم، والله سبحانه وتعالى ينفي صفة الإيمان بأي عقيدة أو مذهب؛ لأن الإيمان يقتضي طلب الحق وإدراكه والإذعان له وهذه ليست صفات هؤلاء، فهم لا يطلبون حكم الحق بل يطلبون حكم الهوى، وأركسوا في الأهواء فلا يدركون، وبعدوا عن المنهاج المستقيم فلا يذعنون، فهم لا يؤمنون بالتوراة وإلا أذعنوا لحكمها، ولا يؤمنون بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم جحدوا قوله وناوءوه، وناصبوه العداء فهم لا يؤمنون بشيء.

والإشارة في قوله تعالى: وما أولئك بالمؤمنين إليهم بأوصافهم كلها من أنهم لا تستمرئ أسماعهم إلا الكذب، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويتميلون بالحق، ويفرقون في الحكم بين القوي والضعيف ومن كان هذا شأنهم لا يمكن أن يدخل شيء من الإيمان قلوبهم ... اللهم احفظ الناس من شرهم، وهبنا الإيمان الصادق والإذعان للحق.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث