الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 558 ] باب أما دلائل النبوة الحسية - أعني المشاهدة بالأبصار - فسماوية وأرضية

ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين ، قال الله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر [ القمر : 1 - 5 ] وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة .

رواية أنس بن مالك قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ورواه مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق .

وقال البخاري : حدثني عبد الله بن عبد الوهاب ، ثنا بشر بن المفضل ، ثنا [ ص: 559 ] سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن أنس بن مالك ، أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين ، حتى رأوا حراء بينهما . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث شيبان ، عن قتادة ، ومسلم من حديث شعبة ، عن قتادة .

رواية جبير بن مطعم : قال أحمد : حدثنا محمد بن كثير ، ثنا سليمان بن كثير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصار فرقتين ؛ فرقة على هذا الجبل ، وفرقة على هذا الجبل ، فقالوا : سحرنا محمد . فقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم . تفرد به أحمد . ورواه ابن جرير والبيهقي من طرق ، عن حصين بن عبد الرحمن به .

رواية حذيفة بن اليمان : قال أبو جعفر بن جرير حدثني يعقوب ، حدثني ابن علية ، أنا عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي ، وحضرت معه ، فخطبنا حذيفة ، فقال : إن الله تعالى يقول : اقتربت الساعة وانشق القمر ألا وإن الساعة قد اقتربت ، ألا وإن القمر قد انشق ، ألا وإن الدنيا قد آذنت [ ص: 560 ] بفراق ، ألا وإن اليوم المضمار ، وغدا السباق . فقلت لأبي : أتستبق الناس غدا ؟ فقال : يا بني ، إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال . ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة ، فقال : ألا إن الله يقول : اقتربت الساعة وانشق القمر ألا وإن الساعة قد اقتربت ، ألا وإن القمر قد انشق ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ، ألا وإن اليوم المضمار ، وغدا السباق ، ألا وإن الغاية النار ، والسابق من سبق إلى الجنة .

ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب " دلائل النبوة " من غير وجه ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن حذيفة فذكر نحوه ، وقال : ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

رواية عبد الله بن عباس : قال البخاري : ثنا يحيى بن بكير ، ثنا بكر ، عن جعفر ، عن عراك بن مالك ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة به .

طريق أخرى عنه : قال ابن جرير ثنا ابن مثنى ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا داود بن أبي هند ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر قال : قد مضى ذلك ، كان قبل الهجرة ، انشق القمر حتى رأوا شقيه . وروى العوفي ، عن ابن عباس نحوا من هذا .

[ ص: 561 ] وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس ، فقال أبو القاسم الطبراني : ثنا أحمد بن عمرو البزار ، ثنا محمد بن يحيى القطعي ، ثنا محمد بن بكر ، ثنا ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سحر القمر . فنزلت : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وهذا سياق غريب . وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره . والله أعلم .

رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا وهب بن جرير عن شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر قال : وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فلقتين ، فلقة من دون الجبل ، وفلقة من خلف الجبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد . قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود . وقال الترمذي : حسن صحيح .

رواية عبد الله بن مسعود : قال الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عن ابن [ ص: 562 ] أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اشهدوا " ورواه البخاري ومسلم ، من حديث سفيان بن عيينة ، وأخرجاه من حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن ابن مسعود به . قال البخاري : وقال أبو الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله : بمكة .

وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في " مسنده " فقال : حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة قال : فقالوا : انظروا ما يأتيكم به السفار ، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم . قال : فجاء السفار فقالوا ذلك .

وروى البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن عباس الدوري ، عن سعيد بن سليمان ، عن هشيم عن مغيرة عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين ، فقال كفار قريش أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة ، انظروا السفار ، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق ، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به . قال : فسئل السفار - وقدموا من كل وجه - فقالوا : رأينا .

[ ص: 563 ] ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد : فأنزل الله : اقتربت الساعة وانشق القمر .

وقال الإمام أحمد : حدثنا مؤمل ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر .

وروى ابن جرير ، عن يعقوب الدوري ، عن ابن علية ، عن أيوب عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن ابن مسعود كان يقول : لقد انشق القمر .

ففي " صحيح البخاري " من حديث الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، أنه كان يقول : خمس قد مضين ؛ الروم واللزام والبطشة والدخان والقمر . في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة " الدخان " .

وقال أبو زرعة في " الدلائل " : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، حدثنا الوليد ، عن الأوزاعي ، عن ابن أبي كثير قال : انشق القمر بمكة ، [ ص: 564 ] والنبي صلى الله عليه وسلم بها قبل الهجرة ، فخر شقتين ، فقال المشركون : سحره ابن أبي كبشة . وهذا مرسل من هذا الوجه .

فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة ، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز ، وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه ، ونحو هذا الكلام ، فليس له أصل يعتمد عليه ، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء ، بل انفرق باثنتين ، وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء ، والأخرى من الناحية الأخرى ، وصار الجبل بينهما ، وكلتا الفرقتين في السماء ، وأهل مكة ينظرون إلى ذلك ، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سحرت به أبصارهم ، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين ، فأخبروهم بنظير ما شاهدوه ، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه . فإن قيل : فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض ؟ فالجواب ؛ ومن ينفي ذلك ؟ ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله ، ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث ، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه ، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه : إنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها . ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفى أمره على كثير من الناس ؛ لأمور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة ، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم ، ولنوم كثير منهم ، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس ، وغير ذلك من الأمور . والله أعلم . وقد حررنا [ ص: 565 ] هذا فيما تقدم في كتابنا " التفسير " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث