الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وإن باع أرضا فيها بذر لم يدخل البذر في البيع . لأنه مودع في الأرض فلم يدخل في بيعها كالركاز ، فإن باع الأرض مع البذر ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه يصح تبعا للأرض ( والثاني ) لا يصح وهو المذهب ، لأنه لا يجوز بيعه منفردا فلم يجز بيعه مع الأرض ) .

التالي السابق


( الشرح ) فصل الأصحاب في البذر مثل التفصيل المذكور في النبات ، فقالوا : البذر الذي لا تفاوت لنباته ، ويوجد دفعة واحدة لا يدخل في بيع الأرض . ويبقى إلى أوان الحصاد . وللمشتري الخيار إن كان جاهلا به ، فإن أجاز أخذ الأرض بجميع الثمن ، لأن النقص الذي في الأرض بترك الزرع إلى الحصاد لا يقسط عليه الثمن . [ ص: 102 ] فإن تركه البائع له سقط خياره ، وعليه القبول ، ولو قال : آخذه وأفرغ الأرض سقط خياره أيضا إن أمكن ذلك . وفعله في زمن يسير على وجه لا يفوت عليه الأرض ، وإن اشتراها وهو عالم بالبذر فلا خيار له ، وعليه تركه إلى أوان الحصاد ، والبذر الذي يدوم نباته كنوى النخل والجوز واللوز وبذر الكراث والرطبة ونحوه من البقول ، حكمه في الدخول تحت بيع الأرض حكم الأشجار . هكذا ذكر هذا التفصيل الماوردي والقاضي أبو الطيب والروياني والرافعي - رحمهم الله - وغيرهم . وإذا علمت أن البذر الذي يدور حكمه حكم الشجر ( فإن قلنا : ) الشجر لا يدخل صار حكمه حكم بذر الزرع في ثبوت الخيار وعدمه بالنسبة إلى حالة الجهل والعلم ( وإن قلنا : ) إنه يدخل على المذهب - فإن كان عالما فلا خيار . وإن كان جاهلا فإن لم يكن قلعه مضرا بالأرض فلا خيار . وإن كان مضرا أو يمضي فيه مدة فإن كانت الأرض تملك بعد ذلك بحيث يكون غرسها نقصا فيها فينبغي أن يثبت للمشتري الخيار ، ولم أر في ذلك نقلا ، والله أعلم .

هذا إذا باع الأرض وأطلق ، أما إذا باع الأرض مع البذر - فإن كان من البذر الذي حكمنا بدخوله في البيع - قال صاحب التتمة : كان تأكيدا ، ولك أن تقول : ينبغي أن يكون كما لو قال : بعتك الجارية وحملها ، وإن كان من البذر الذي لا يدخل وهو الذي تكلم فيه المصنف ففيه وجهان ( أحدهما ) يصح تبعا للحمل . وادعى هذا القائل أن الشافعي رضي الله عنه نص على ذلك في كتاب التفليس ، فقال : لو باع زرعا مع أرض خرج أو لم يخرج ( والثاني ) وهو الصحيح المشهور من المذهب أن البيع لا يصح في البذر للجهالة ولأنه مقصود في نفسه فلم يجز بيعه مع الأرض كالركاز ، ويخالف الحمل فإنه يتبع الأم في البيع المطلق . وهؤلاء أولوا نصه في التفليس على أن المراد خرج السنبل أو لم يخرج . فعلى هذا إذا بطل البيع في البذر ففي بطلانه في الأرض طريقتان : ( إحداهما ) أنه على قولي تفريق الصفقة ، وهو الذي يقتضي إيراد الماوردي ترجيحها ، وجزم بها القاضي حسين والفارقي تلميذ المصنف وغيرهما ، وهذا إنما يكون على قولنا بأنه يختار بجميع الثمن . [ ص: 103 ] والطريقة الثانية ) القطع ببطلان بيع الأرض ، ويقتضي إيراد القاضي أبي الطيب ترجيحها وهي المذهب عند الروياني ، وهي مقتضى المذهب في أنه يختار بالقسط ، وجعل الروياني محل الخلاف إذا لم يجهل جنسه وصفته ، فإن جهلهما لم يجز قولا واحدا ، وهذا منه بناء على الطريقة المشهورة في بيع الغائب ، وفيه وجه أنه يجري مع الجهل ، وذلك معروف في موضعه ، فعلة الخلاف هنا مطلقا على أن أبا الفتوح العجلي أفاد أن الوجه القائل بالصحة ههنا ، وإن منعنا بيع الغائب فيكون محل الخلاف تفريعا على بيع الغائب ( أما ) على تجويز بيع الغائب قال : فلا يبعد الحكم بصحة البيع .

( قلت : ) ولا بد فيه من ملاحظة التبعية ، فإنه لو باع البذر وحده وهو مستتر فلا شك أنه يمنعه من منع بيع الغائب ، وكذا بعض من أجازه ، وإنما قلت ذلك لأنهم لما تكلموا في بيع الثمار المستترة والحنطة في سنبلها ونحو ذلك قال الإمام : إن المنع فيها مفروع على منع بيع الغائب ( أما ) إذا جوزناه فإنه يصح ، وحمل الرافعي كلام الوجيز على موافقته ، لكن الغزالي في الفتاوى في السؤال التاسع والعشرين في بيع السلجم والجزر في الأرض ، قال : إنه إن قضى ببطلان بيع الغائب فلا شك في البطلان ، وإن قضى بصحة بيع الغائب اتجه ظاهرا إبطال هذا لأن تسليمه لا يمكن إلا بتقليب الأرض ، وهو تغيير لعين المبيع فيضاهي بيع الجلد قبل السلخ ليسلم بالسلخ وكذلك صاحب التهذيب وعلل بأن بيع الغائب يمكن رد المبيع بعد الرؤية بصفته ، وههنا لا يمكن . وإذا علمت ذلك علمت أن إطلاق المصنف مراده منه البذر الذي لا نبات لأصله ، وكذلك الشافعي رضي الله عنه في الأم أطلق كما فعل المصنف ومراده ذلك ، فإن كان البذر مما يصرم فصرمه البائع كان للمشتري أصله ولم يكن للبائع قلعه ولا قطعه ، وإن عجل البائع فقلعه قبل بلوغ مثله لم يكن له أن يزرعه ليستخلفه ، نص عليه الشافعي - رحمه الله - وقد تقدم في أول الباب بحث في الغراس الذي يشتد ، وهو يعود ههنا في البذر الذي وضع لذلك ، ولم يقصد به الدوام في محله ، والله أعلم . ولو باع البذر وحده جزم صاحب التتمة بالبطلان .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث