الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 104 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( إذا باع أصلا وعليه ثمرة للبائع لم يكلف قطع الثمرة إلى أوان الجذاذ فإن كان مما يقطع بسرا كالبسر الجيسواني والقرشي لم يكلف قطعه إلى أن يصير بسرا ، وإن كان مما لا يقطع إلا رطبا لم يكلف قطعه إلى أن يصير رطبا ، لأن نقل المبيع على حسب العادة ، ولهذا إذا اشترى بالليل متاعا لم يكلف نقله حتى يصبح ، وإن اشتراه في المطر لم يكلف نقله حتى يسكن المطر ، والعادة في قطع الثمار ما ذكرناه فلا يكلف القطع قبله ) .

التالي السابق


( الشرح ) الأصل المراد به الشجرة والجذاذ - بكسر الجيم وفتحها - حكاهما ابن قتيبة . وأوان الجذاذ - بكسر الجيم - زمان صرم النخيل إذا يبس ثمرها ، والجذاذ القطع يقال الجذاذ والصرام في النخل ، والقطاف في الكرم ، واللقاط فيما يتناثر كالخوخ والكمثرى وغيره ، فيلتقط والجيسوان بكسر الجيم وياء تحتها نقطتان وآخره نون - من غير إضافة ، قال ابن باطيش وابن التودي : جنس من البسر أسود اللون ، والقرش - بضم القاف وفتح الراء وشين معجمة - قال ابن باطيش : هو الأحمر ، قال صاحب البيان : لا يقطع إلا بسرا .

( أما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب : إذا اشترى نخلا وعليه ثمرة للبائع أو كرسفا وعليه قطن للبائع أو شجرا وعليه ثمرة أو وردا أو رد للبائع أرضا وفيها زرع للبائع ، لم يجبر على قطع الثمرة ، والورد والزرع إلى أوان الجذاذ والحصاد إلى الوقت الذي جرت العادة تبقيتها ، فإن كان غيبا فعليه تبقيته إلى أن يسود وتدور الحلاوة فيه ، ويقطع في العادة ( فأما ) إذا عقد وحصل فيه قليل حلاوة فليس له مطالبة البائع بقطعه في تلك الحال وإن كان رطبا فعليه تبقيته إلى أن يرطب ويتكامل نضجه ثم يقطع .

وإن كان بسرا فما جرت العادة بقطعه بسرا طولب بقطعه بسرا بعد نضجه واستكماله ، ثم بعد ذلك ليس له أن يتركه على الشجر والنخل حتى يتكامل ويستحكم ، لكون ذلك أصلح له فيأخذه شيئا فشيئا ، [ ص: 105 ] كما إذا باع دارا فيها متاع هي حرز له ، لم يجب على المشتري تركه ، ولا يجب على المشتري السقي لأجل ثمرة البائع ، وإنما عليه تركها والبائع يسقي . وحكم جميع الثمار في ذلك حكم ثمرة النخيل ، لا خلاف في ذلك ، قال نصر المقدسي - رحمه الله - في الكافي .

وكذلك الورد يعني يترك إلى أوان أخذه ، ووافقنا على أنه لا يجب على البائع القطع ، ويجوز له التبقية إلى أوان الجذاذ مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يجبر عليه عند مطالبة المشتري بذلك في الحال .

دليلنا ما ذكره المصنف وهكذا لو زرع المشتري الأرض فاستحقها الشفيع لم يجبر المشتري على قطع الزرع ونقله حتى يبلغ أوان الحصاد ، لأنه وقت العادة في نقله ( فإن قيل : ) ينتقض بمن جذ ثمرة وتركها في الأرض تشمسها ثم باع الأرض ، فإنه يلزمه نقلها قبل جفافها وإن كانت العادة نقلها بعد جفافها ( قلنا ) لا عادة لذلك في أرض بعينها بل يمكن تجفيفها في غيرها كما نقول في الزرع : لا يجب نقله وهو في الأرض ، ولو حصده وتركه في الأرض ثم باعها وجب نقله ، وقول المصنف : لأن نقل المبيع على حسب العادة ، جواب عن قول الحنفية : إن من باع شيئا كان عليه تسليمه ورفع يده عنه ، وإن إبقاء الثمرة بعد البيع انتفاع بالنخل ، وأجاب الأصحاب بما ذكره المصنف من أن ذلك إنما يجب على العادة ولهذا إذا اشترى دارا مملوءة طعاما إنما يلزم البائع نقله على العادة ، ولا يلزمه أن يجمع الآن كل حمال في البلد ، وينقل الطعام عنها ، وأجابوا عن كون ذلك انتفاعا بالنخل وأنه يشبه استثناء المنفعة بأن استثناء المنفعة إنما يبطل إذا وقع بالشرط ، أما ما وقع بنفس العقد عرفا فلا ، بدليل الأمة المزوجة .

( فرع ) قال الماوردي : إنه إنما يستحق الإبقاء إذا بقيت الثمرة للبائع بالتأبير ، أما إذا صارت له بالشرط والاستثناء قبل التأبير فعلى البائع قطعها في الحال ، لأن الاستثناء إنما يصح على شرط القطع ، وهذا الذي قاله الماوردي إنما يستقيم إذا شرطنا القطع في الاستثناء ، وقد تقدم أن الأصح خلافه ، وأيد بعضهم ما قاله الماوردي : إن استثناء المنفعة بالشرط مبطل بخلافه بالشرع ، وهذا التأييد ضعيف ، لأن الشرط هنا إنما اقتضى بقاء الثمرة للبائع فصار [ ص: 106 ] كما لو باع أرضا واستثنى البناء الذي فيها كان له إبقاؤه بالشرع ، ولا نقول : إن هذا استثناء للمنفعة ، والله أعلم . ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله تعالى - : فإذا حصد الزرع فإن بقي له أصول لا تضر بالأرض ، كأصول الحنطة والشعير ، لم يلزمه نقلها ، لأن لا ضرر على المشتري في تركها وإن كانت تضر بالأرض كعروق الذرة والقطن لزمه نقلها من الأرض ونقل الروياني عن بعض الأصحاب الوجوب مطلقا ، والصحيح الأول فإذا نقلها فإن حصل في الأرض بنقلها حفر لزمه تسويتها ، كما لو كان في الأرض حجارة مدفونة فنقلها ويخالف من غصب فصيلا وأدخله دارا ثم كبر الفصيل فإن تسوية الباب لا تجب على صاحب الفصيل لأن الغاصب متعد والمشتري ليس بمتعد . وهكذا لو كان في الدار المبيعة حب لا يمكن إخراجه إلا بأن يوسع الباب بنقض شيء من الحائط . فإن له ذلك ويضمن قيمة ما نقص . قال القاضي أبو الطيب : ويحتمل أن يقال : يلزمه بناؤه كما يلزمه تسوية الأرض ههنا . وقد صرح المحاملي في المجموع بأنه يجب عليه بناء ذلك . ورده إلى حالته فيما إذا باع دارا وفيها قماش لا يخرج إلا بنقض الباب وهو الموافق لطريقة العراقيين فإنهم يختارون وجوب إعادة الجدار . قال المحاملي هنا : كل من حصل ملكه في ملك غيره واحتيج في تخليصه إلى مؤنة فإن كان حصل ذلك بغير تفريط من صاحب الملك فالمؤنة على من يتخلص ملكه . مثل مسألة الحب والخابية والصندوق في الدار . وإن كان بتفريط من صاحب الملك . مثل أن يغصب رجل رجلا على حب . فلم يخرج من الباب . أو على عجل صغير فكبر فلم يتمكن من إخراجه إلا بهدم الباب فإن الباب يهدم ولا يلزم صاحب المتاع بناؤه ومن فروع هذه القاعدة : إذا هربت دابته فدخلت دار رجل ولا يمكن إخراجها إلا بنقض شيء من الدار . يغرم النقض صاحب الدابة قال الروياني : وإذا وقع دينار في محبرة ولا يخرج إلا بكسرها كسرت ويجب ضمانها على صاحب الدينار نقله الروياني عن بعض الأصحاب .

( فرع ) لو أصابت الثمار آفة . وصارت بحيث لا تنمو . فهل للبائع تبقيتها ولا فائدة له في تبقيتها ؟ أم للمشتري إجباره على [ ص: 107 ] قطعها ؟ قال الإمام : ذكر صاحب التقريب قولين ولم يصحح الرافعي والنووي شيئا منهما . وقال ابن الرفعة : إن الذي يقع في النفس صحته قول الإجبار . لأنه انكشف الحال عما لو قارن العقد لم يستحق التبقية لأجله . فإنه لو باع الشجر بعد حصول الآفة بالثمار لم يستحق التبقية . قال : لكن نصه في الأم على خلافه . ولو انقطع الماء فلا شيء على المشتري فيما أصيب به البائع . وكذلك إن أصابته جائحة . نص عليه الشافعي رضي الله عنه . نقله عنه أحمد بن بشرى .

( فرع ) لا يمنع البائع من الدخول في الحائط للسقي ، فإن لم يأمنه المشتري ينصب الحاكم أمينا يسقيها ، والمؤنة على البائع قاله الخوارزمي ، وكلام الخوارزمي يدل على أن الشجرة لا تصير مسلمة حتى تفرغ من الثمرة ، قال : ولهذا لو باع سفينة في البحر مملوءة بالأثقال لا يجري تفريغها حتى تبلغ الشط ، ومراده بهذا أن التسليم يكون على العادة .

( فرع ) ولا يستحق المشتري على البائع أجرة الأرض في مدة إقامة الزرع في الأرض لأنه ملك الأرض مسلوبة المنفعة في تلك المدة فلا يستحق لها أجرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث