الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( لا يجوز بيع الثمار والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع . لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 115 ] نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها } وروى ابن عمر رضي الله عنه أيضا أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تزهي والسنبل والزرع حتى يبيض ويأمن العاهة } ولأن المبيع إنما ينقل على حسب العادة . ولهذا لو اشترى بالليل متاعا لم يكلف نقله حتى يصبح . والعادة في الثمار تركها إلى أوان الجذاذ ، فإن باعها قبل بدو الصلاح لم يأمن أن يصيبها عاهة فتتلف ، وذلك غرر من غير حاجة ، فلم يجز ، وإن باعها بشرط القطع جاز ، لأنه يأخذ قبل أن يتلف فيأمن من الغرر ، وإن باع الثمرة مع الأصل والزرع مع الأرض قبل بدو الصلاح جاز ، لأن حكم الغرر يسقط مع الأصل ، كالغرر في الحمل يسقط حكمه إذا بيع مع الأصل وإن باع الثمرة ممن يملك الأصل أو الزرع ممن يملك الأرض ففيه وجهان ( أحدهما ) يصح ، لأنه يحصل لمالك الأصل ، فجاز كما لو باعها مع الشجرة والأرض ( والثاني ) لا يصح ، لأنه أفرده بالبيع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع ، فأشبه إذا باعها من غير مالك الأصل ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر رضي الله عنهما الأول رواه بلفظه المذكور البخاري ومسلم ، ولفظ مسلم : الثمرة ، وفي الصحيحين أيضا من رواية ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها } زاد مسلم { وتذهب عنه الآفة } ( وأما ) حديث ابن عمر الثاني فرواه مسلم ، ولفظه : " { عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ، نهى البائع والمشتري } وفي رواية الشافعي في حديث ابن عمر قال الراوي : { فقلت لعبد الله : متى ذلك ؟ قال : طلوع الثريا } وقد وردت أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما في المنع من بيع الثمار قبل بدو الصلاح ( منها ) حديث ابن عمر المذكور ( ومنها ) عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الثمرة حتى تزهو } ، قال الراوي : { فقلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : تحمر وتصفر ، قال : أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه ؟ } رواه البخاري ومسلم . وقد كثر الزهو في الحديث يقال : زها النخل يزهو ، قال الخطابي : [ ص: 116 ] هكذا روي في الحديث " يزهو " ، والصواب في العربية : يزهي وقال غيره : ليس هذا القول منه عند كل أحد ، فإن اللغتين قد جاءا عند بعضهم ، ومنهم من قال : زها النخل إذا طال واكتهل ، وهذا القول مخالف لما جاء في الحديث من تفسير أنس العارف بالعربية ، ولمعنى الحديث ، وقد ورد في بعض روايات الشافعي لهذا الحديث : { قيل : يا رسول الله . وما تزهي ، قال : حتى تحمر } والزهو - بفتح الزاي - وذكر ابن معين أن أهل الحجاز يضمون الزاي وهو غريب ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تتبايعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها ، ولا تتبايعوا الثمر بالثمر } رواه مسلم ، وقوله : " يبدو " أي " يظهر " ، يقال : بدا يبدو ، مثل : دعا يدعو ، فأما بدأ يبدأ - بالهمز - فمن الابتداء .

وعن جابر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع الثمرة حتى يشقح ، قيل : وما يشقح ؟ قال : تحمار وتصفار ويؤكل منها } رواه البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - وقوله يشقح - بضم الياء المثناة من تحت وإسكان الشين المعجمة - وبعد القاف حاء مهملة ، ويروى - بفتح الشين وتشديد القاف - يقال : أشقح وشقح ، وروي يشقه بإبدال الحاء هاء ، وقد فسره في الحديث قال : والإشقاه أن يحمر أو يصفر ، وفي رواية النسائي في هذا الحديث : { حتى يطعم } وفي رواية لمسلم : { حتى يطيب } ، وعن ابن عباس قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل ، وحتى يوزن ، قال : فقلت : ما يوزن ؟ فقال رجل عنده : حتى يحرز } رواه البخاري ومسلم .

وعن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع العنب حتى يسود ، وعن بيع الحب حتى يشتد } رواه أبو داود والترمذي ، والحب الطعام ، واشتداده قوته وصلابته . فهذه أحاديث من رواية خمسة من الصحابة تمنع من بيع الثمار قبل بدو الصلاح ، وعن عمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه { : نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة } رواه مالك في الموطأ ، وألفاظ هذه الأحاديث مختلفة ، ومعانيها متفقة .

قال العلماء : إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قالها في أوقات مختلفة ونقل كل واحد [ ص: 117 ] من الرواة ما سمع ، وإما أن يكون قال لفظا في وقت ونقله الرواة بالمعنى ، وعن زيد بن ثابت قال : { كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار ، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع : إنه أصاب الثمر الذمان أصابه مراض أصابه قشام - عاهات يحتجون بها - فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك : إما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمرة } كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم " رواه البخاري " الذمان - بفتح الذال وتخفيف الميم - عفن يصيب النخل فينشق أول ما يبدو من عفن وسواد ، والمراض - بضم الميم - داء يقع في الثمرة فتهلك ، والقشام - بضم القاف والشين المعجمة - : أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا .

( وقوله ) : إما لا ، أي إن لم تفعلوا هذا ، فليكن هذا ، وأصلها : إن الشرطية زيدت عليها ما وأدغمت فيها ، وأدخلت على لا النافية ، وقد يقال : إن حديث زيد هذا يدل على أن هذا النهي في الأحاديث المتقدمة ليس على سبيل التحريم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : {إما لا } ، ولقول الراوي كالمشورة لهم ، فإن ذلك يدل على أنه ليس بمتحتم ، والتمسك على ذلك بقول الراوي كالمشورة ليس بالقوي ، فإن كل أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه لمصالحهم الأخروية والدنيوية ، وأما التمسك بقوله : { إما لا } ، فلأنه يقضي : أن النهي معلق على شرط وهو الذي نقدره ، والذي يليق بهذا الموضع أن يكون التقدير إن لا تراجعوا عن الخصومة أو ما في معنى ذلك ، فذلك وإن كانت صورته صورة التعليق ، فليس المراد منه التعليق ، فإن رجوعهم عن الخصومة في المستقبل في حق كل أحد لا يعلم ، ولا يمكن أن يبقى الحكم موقوفا على ذلك ، فالمراد : - والله أعلم - أنشأ النهي لأجل ذلك ، وكأنه استعمل بمعنى إذ التي تستعمل للتعليل ، ومما يرشد إلى أن النهي حتم قوله : { نهى البائع والمشتري } ، فإنه تأكيد للمنع ، وإن كان لمصلحة المشتري .

وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث ، وقال أبو الفتح القشيري : أكثر الأمة على أن النهي نهي تحريم ، وقوله في حديث أنس : { أرأيت إن منع الله تعالى الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ } ، وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة بيان أنه [ ص: 118 ] من كلامه صلى الله عليه وسلم ، وذلك من طريق مالك - رحمه الله - والدراوردي ، وخالفهما سفيان الثوري وإسماعيل بن جعفر عن حميد ، فجعلاه من كلام أنس ، وإتقان مالك - رحمه الله - وضبطه مع كونه لا تنافي بينه وبين ما رواه سفيان يقتضي الحكم بكون ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويكون أنس قاله من كلامه لم يأت فيه بالرفع ، وأن عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى عنه كذلك على الوجهين ، ويثبت كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد زعم بعض شارحي التنبيه : أن الشافعي رضي الله عنه انفرد عن جمهور المحدثين برفعه ، وليس كذلك ، فقد رواه جماعة عن مالك غير الشافعي ، ورواه مع مالك عن حميد الدراوردي كما رأيت ، والله أعلم .

( أما الأحكام ) فقد قسم الشافعي والأصحاب بيع الثمرة إلى قسمين : ( القسم الأول ) أن يبيعها قبل بدو الصلاح وذلك على قسمين ( الأول ) : أن تباع مفردة عن الأشجار وذلك على قسمين ( الأول ) : أن تكون الأشجار للبائع أو لغير المتعاقدين ، فبيع الثمرة حينئذ على ثلاثة أقسام ، وهذا التقسيم أحسن ، وإن شئت تقول - وهو أقرب إلى كلام المصنف : إن بيع الثمرة على قسمين ( الأول ) : أن يبيعها قبل بدو الصلاح ، وذلك على قسمين ( الأول ) : أن تباع من غير مالك الأصل ، وذلك على قسمين ( الأول ) : أن تكون مفردة عن الأشجار وذلك على ثلاثة أقسام ( الأول ) : أن يبيعها بشرط التبقية ، فبيعها باطل بلا خلاف للأحاديث السابقة .

( الثاني ) : أن يبيعها بشرط القطع فالبيع صحيح بلا خلاف ; لأنه بالقطع يزول المحذور من الآفة والعاهة ، وممن صرح بالإجماع في المسألتين الشيخ أبو حامد والرافعي وغيرهما ، ونقل ابن حزم في كتابه المحلى عن سفيان الثوري وابن أبي ليلى منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها جملة ، لا بشرط القطع ولا بغيره ، والشافعي رضي الله عنه أخذ جواز بيعها بشرط القطع من قوله صلى الله عليه وسلم : " { أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ } كذلك [ ص: 119 ] قال في الأم ، فإن الثمرة التي تقطع لآفة تأتي عليها ، فإنما يمتنع ما يترك مدة تكون فيها الآفة ، وليس ذلك من باب تخصيص العموم بعلة مستنبطة منه ، فإن ذلك فيه خلاف . وأما هذه العلة فمنصوصة ، ولا شك أن استفادة التعليل من هذا الكلام ظاهرة ، وهو من أقوى درجات الإيماء الذي هو أحد أدلة العلة ، ولعل سفيان الثوري - رحمه الله - إنما منع من ذلك ; لأن في روايته أن التعليل المذكور من كلام أنس كما قدمته ، فلعله لذلك لم يأخذ به ، لكن في الحديث ألفاظ أخر تدل على ذلك ( منها ) قوله : { حتى تنجو من العاهة } ، ( ومنها ) قوله : { حتى يبدو صلاحها } ، يعني : أنها بعد الصلاح تأمن من العاهات والجوائح غالبا لكبرها ، وغلظ نواها ، وقبل الصلاح تسرع إليها العاهات لضعفها ، فإذا تلفت لم يبق شيء في مقابلة الثمن ، وكان ذلك من أكل المال بالباطل .

فإذا شرط القطع عرف أن غرضه هو الحصرم وهو حاصل ، وقيل معنى آخر ضعيف نقله الإمام ، وهو - أنها قبل بدو الصلاح - أجزاؤها كبرا ظاهرا من أجزاء الشجرة ، وقد اتفق على القول بالجواز الشافعية والمالكية والحنفية

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث