الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل قوله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا

فصل

وقوله: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا هذه القراءة العامة التي في المصحف الإمام، وقد كان ابن عباس يقرأ: "بما آمنتم به "، ويقول: إن الله لا مثل له .

وتلك قراءة صحيحة المعنى، لكن قراءة العامة أحسن وأجمع، فإنه لو قيل: بما آمنتم به، وقيل: إنه أريد به الله، لقالوا: قد آمنا بالله، فإنهم لا يكفرون بأصل وجود الخالق، وإنما يكفرون ببعض كتبه ورسله وأسمائه وصفاته ودينه، ولذلك استحقوا اسم الكفر.

وأيضا فلو آمنوا بما آمنا به من غير أن يؤمنوا بمثل ما آمنا به، لم يكونوا مهتدين وإن آمنوا بجميع الأشياء، وذلك أنه سبحانه قال في المائدة لما أباح نساء أهل الكتاب وطعامهم، قال: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، والإيمان هو: الإيمان الذي هو الدين، الذي هو الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن الإيمان الذي يجب على العباد اتباعه يجب الإيمان به، فمن كفر بما يفعله المؤمنون من الإيمان، فقد كفر بالله. وهذا الإيمان الذي في القلوب هو مثل مطابق للحقيقة الخارجة، وما في القلوب [من] الإيمان متماثل أيضا، فنحن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم، وما أوتي النبيون من ربهم، [ ص: 32 ] فإذا آمنوا هم بمثل ما آمنا به- وهو ما في القلوب- فقد اهتدوا، كما أنهم لو كفروا بالإيمان الذي في القلوب لحبط عملهم.

وهنا وجهان، أحدهما: إذا صار في قلوبهم مثل ما في قلوبنا، وآمنوا به، فقد آمنوا بمثل ما آمنا به، فإنا آمنا بما في القلوب من الإيمان، فإذا صار مثله في قلوبهم وآمنوا به فقد اهتدوا. ويكون فائدة الإيمان بالإيمان مثل ما يقال: أعلم وأعلم أني أعلم، وأعتقد أن زيدا في الدار، وأعتقد أن اعتقادي حق، فهم مؤمنون بالإيمان غير مرتابين فيه، جازمون أن جزمهم حق، وأيضا فإن هذا مستلزم، وهو كمال وتمام، لأنه إذا حصل هذا الإيمان بالإيمان، وجب حصول الأول ووجوبه، مع أنهما متلازمان من وجه آخر، فإن الوجود العملي الإرادي مع الوجود ... ، لكن على هذا الوجه الضمير فيه يعود إلى إيماننا بما أنزل، لا إلى نفس ما أنزل.

الوجه الثاني : أن الإيمان الذي في القلب مثل مطابق للمؤمن به، كما تقدم، وقد قررت هذا في مواضع، فإذا آمنوا بهذا المثل فقد اهتدوا، والضمير هنا عائد على "ما" كما هو الظاهر، ويكون المثل كما قد قيل في قوله: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . [ ص: 33 ]

وقد يقال: المعنى، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم والتقدير: فإن جاؤوا بإيمان مثل الإيمان الذي جئتم به، ويكون "الذي" هنا صفة للمصدر الذي هو الإيمان، لا للمفعول به الذي هو المؤمن به، لكن هذا يفتقر إلى أن يقال: آمنت بمثل إيمانك، أي مثل إيمانك، وهذا يكون إذا ... ".

وقد يقال: "المثل" مقحم ليتبين الكلام والتوحيد، كما قد قيل مثل ذلك في نظائره لأسباب قد تكون هناك.

وقوله: وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ، صبغ القلوب والأشياء بهذا الإيمان حتى أنارت به القلوب، وأشرقت به الوجوه، وظهر الفرقان بين وجوه أهل السنة وأهل البدعة، كما قال في المؤمنين: تعرفهم بسيماهم ، وفي الكفار: سنسمه على الخرطوم ، وفي المنافقين: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم [ ص: 34 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث