الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                القسم الثاني من الكتاب : في لزوم العقد وجوازه

                                                                                                                والخيار يتنوع إلى خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار النقيصة ، فهذه ثلاثة أنواع :

                                                                                                                النوع الأول : خيار المجلس :

                                                                                                                والأصل في العقود : اللزوم ; لأن العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان ، والأصل ترتيب المسببات على أسبابها ، وخيار المجلس - عندنا - باطل ، والبيع لازم بمجرد العقد تفرقا أم لا . وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) وابن حنبل بعد اللزوم ، وخيار المجلس متى يتفرقا أو يختارا الإمضاء ، وحكاه أبو الطاهر عن ابن حبيب ، وكذلك الإجارة والصرف والسلم والصلح على غير جنس الحق ; لأنه بيع ، وعلى جنس الحق حطيطة لا بيع ، والقسمة على القول بأنها بيع لما في الموطأ : قال عليه السلام : ( المتعاقدان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار ) وفي البخاري : أو يقول أحدهما للآخر : اختر ، وعنه عشرة أجوبة :

                                                                                                                [ ص: 21 ] الأول : قال محمد بن الحسن : يحمل المتبايعان على المتشاغلين بالبيع ، فإن باب المفاعلة شأنها اتحاد الزمان كالمضاربة ونحوها ، ويكون الافتراق بالأقوال ، فكما أن المتضاربين يصدق عليهما حالة المباشرة اللفظ حقيقة ، فكذلك المتبايعان ، ويكون الافتراق مجازا ، يدل عليه ما سيأتي من الأدلة ، ولأن ترتيب الحكم على الوصف يدل لي علية ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون وصف المفاعلة هو علية الخيار ، فإذا انقضت بطل الخيار لبطلان سببه ، فيكون الحديث حجة عليهم لا لهم .

                                                                                                                الثاني : أن أحد المجازين لازم في الحديث ; لأنا إن حملنا المتبايعين على حلة المبايعة كان حقيقة ، ويكون المجازي الافتراق فإن أصله في الأجسام ، نحو افتراق الخشبة وفوق البحر ، ويستعمل مجازا في الأقوال نحو قوله تعالى : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) وقوله عليه السلام : ( افترقت بنو إسرائيل وستفترق أمتي ) الحديث أي : بالأقوال والاعتقادات ، وإن حملنا المتبايعين على ما تقدم منه كان مجازا كتسمية الخبز برا والإنسان نطفة ، ثم في هذا المقام يمكننا الاقتصار على هذا القدر ، ونقول : ليس أحدهما أولى من الآخر ، فيكون الحديث محتملا يسقط به الاستدلال ، ولنا : ترجح المجاز الأول بكونه مقصودا بالقياس والقواعد .

                                                                                                                الثالث : قوله عليه السلام في بعض الطرق في أبي داود والدارقطني : ( المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا ، إلا أن يكون [ ص: 22 ] صفقة الخيار ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ) فلو كان خيار المجلس مشروعا لم يحتج الإقالة .

                                                                                                                الرابع : المعارضة لنهيه عليه السلام عن بيع الغرر وهذا من الغرر ; لأن كل واحد منهما لا يدري ما يحصل له هل الثمن أم المثمن .

                                                                                                                الخامس : قوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) والأمر للوجوب المنافي للخيار .

                                                                                                                السادس : لو صح خيار المجلس لتعذر تولي طرفي العقد كشراء الأب لابنه الصغير والوصي والحاكم ، لكن ذلك مجتمع عليه ، فيلزم ترك العمل بالدليل على قولنا : لا يلزم ، وكذلك يلزم فيما يسرع إليه الفساد من الأطعمة كالهرايس والكناسل .

                                                                                                                السابع : خيار مجهول العاقبة ، فيبطل الخيار الشرط .

                                                                                                                الثامن : عقد وقع الرضا به فبطل خيار المجلس فيه كما بعد الإمضاء .

                                                                                                                التاسع : قال أبو يوسف : يحمل على ما إذا قال المشتري : بعني ، فقال له البائع : بعتك ، له الخيار ما دام في المجلس ، وهذه صورة تفرد بها الحنفية فلا بد أن يقول عندهم : اشتريت ، وإن كان استدعاء للبيع ، وحملوا عليه قوله عليه السلام في البخاري : ( أو يقول أحدهما للآخر : اختر ) أي : اختر الرجوع على الإيجاب أو الاسترعاء ، ونحن نحمله على اختيار شرط الخيار فيكون معنى الحديث المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر فلا تنفع الفرقة ، ولذلك لم يروا إلا بيع الخيار مع هذه الزيادة .

                                                                                                                [ ص: 23 ] العاشر : عمل المدينة وهو مقدم على خبر الواحد ، فإن تكرر البيع عندهم مع الأنفاس فعدم خيار المجلس من بين أظهرهم يدل على مشروعيته دلالة قاطعة ، والقطع مقدم على الظن ، إذا تقرر هذا فاعلم أن القواعد والقياس معنا كما تقدم ، وقد تعارض في هذا الموضع خبر الواحد والقياس ، فلما كان شأن الحنفية تقديم القياس قدموه هاهنا ، واختلف النقل عن مالك في تقديم القياس على خبر الواحد ، فنقل عبد الوهاب عنه تقديمه ، ونقل عنه غيره عدم تقديمه .

                                                                                                                فعلى الأول طرد أصله مع الحنفية ، وعلى الثاني يكون القياس هاهنا معضودا بعمل المدينة ، وبهذه المباحث يظهر لك نفي التشنيع عليه في كونه روى خبرا صحيحا وما عمل به ، فما من عالم إلا وترك جملة من أدلة الكتاب والسنة لمعارض راجح عنده ، وليس هذا خاصا به رضي الله عنهم أجمعين .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية