الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      [ ص: 207 ] ذكر معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء

                                                                                      قال الله تعالى : ( علمه شديد القوى ( 5 ) ) ( ذو مرة فاستوى ( 6 ) ) ( وهو بالأفق الأعلى ( 7 ) ) ( ثم دنا فتدلى ( 8 ) ) ( فكان قاب قوسين أو أدنى ( 9 ) ) فأوحى إلى عبده ما أوحى ( 10 ) ) ( ما كذب الفؤاد ما رأى ( 11 ) ) [ النجم ] وقال : ( ولقد رآه نزلة أخرى ( 13 ) ) ( عند سدرة المنتهى ( 14 ) ) [ النجم ] تفسير ذلك : قال زائدة وغيره ، عن أبي إسحاق الشيباني ، قال : سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ( 9 ) ) فقال : حدثنا عبد الله بن مسعود ، أنه رأى جبريل له ستمائة جناح . أخرجاه .

                                                                                      وروى شعبة ، عن الشيباني هذا ، لكن قال : سألته عن قوله تعالى : لقد رأى من آيات ربه الكبرى [ النجم ] فذكر أنه رأى جبريل له ستمائة جناح .

                                                                                      وقال البخاري : قبيصة : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( 18 ) ) قال : رأى رفرفا أخضر قد ملأ الأفق .

                                                                                      وقال حماد بن سلمة : حدثنا عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ( ولقد رآه نزلة أخرى ( 13 ) ) [ النجم ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت جبريل عند سدرة ، عليه ستمائة جناح ، ينفض من ريشه التهاويل الدر والياقوت .

                                                                                      [ ص: 208 ] عاصم بن بهدلة القارئ ، ليس بالقوي .

                                                                                      وقال مالك بن مغول ، عن الزبير بن عدي ، عن طلحة بن مصرف ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، قال : " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة - كذا قال - وإليها ينتهي ما يصعد به ، حتى يقبض منها ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ( 16 ) ) [ النجم ] قال : غشيها فراش من ذهب ، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ، وخواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته المقحمات . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله ( ما كذب الفؤاد ما رأى ( 11 ) ) [ النجم ] قال : " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض .

                                                                                      وقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن أبي هريرة : ( ولقد رءاه نزلة أخرى ( 13 ) ) [ النجم ] قال : رأى جبريل عليه السلام . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال زكريا بن أبي زائدة ، عن ابن أشوع ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : قلت لعائشة : فأين قوله تعالى : ( دنا فتدلى ( 8 ) ) ؟ قالت : إنما ذاك جبريل ، كان يأتيه في صورة الرجل ، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته ، فسد أفق السماء . متفق عليه .

                                                                                      وقال ابن لهيعة : حدثني أبو الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، أن [ ص: 209 ] نبي الله عليه السلام كان أول شأنه يرى المنام ، فكان أول ما رأى جبريل بأجياد ، أنه خرج لبعض حاجته ، فصرخ به : يا محمد يا محمد . فنظر يمينا وشمالا ، فلم ير شيئا ، ثم نظر ، فلم ير شيئا ، فرفع بصره ، فإذا هو ثانيا إحدى رجليه على الأخرى في الأفق ، فقال : يا محمد جبريل جبريل ، يسكنه ، فهرب حتى دخل في الناس ، فنظر فلم ير شيئا ، ثم رجع فنظر فرآه ، فذلك قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ( 1 ) ) ( ما ضل صاحبكم وما غوى ( 2 ) ) [ النجم ] .

                                                                                      محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس ( ولقد رآه نزلة أخرى ( 13 ) ) ( عند سدرة المنتهى ( 14 ) ) قال : دنا ربه منه فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى . قال ابن عباس : قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم . إسناده حسن .

                                                                                      أخبرنا التاج عبد الخالق ، قال : أخبرنا ابن قدامة ، قال : أخبرنا أبو زرعة ، قال : أخبرنا المقدمي ، قال : أخبرنا القاسم بن أبي المنذر ، قال : حدثنا ابن سلمة ، قال : أخبرنا ابن ماجه ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا الحسن بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي الصلت ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتيت ليلة أسري بي على قوم ، بطونهم كالبيوت ، فيها الحيات ، ترى من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا " . رواه أحمد في " مسنده " عن الحسن ، وعفان ، عن حماد وزاد فيه : رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة .

                                                                                      أبو الصلت مجهول .

                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المرداوي ، قال : أخبرنا أبو محمد [ ص: 210 ] عبد الله بن أحمد الفقيه ، قال : أخبرنا هبة الله بن الحسن بن هلال ، قال : أخبرنا عبد الله بن علي بن زكري سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، قال : أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله ، قال : أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن ابن عون ، قال : أنبأنا القاسم بن محمد ، عن عائشة أنها قالت : من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، ولكنه رأى جبريل مرتين في صورته وخلقه ، سادا ما بين الأفق . أخرجه البخاري عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، عن الأنصاري .

                                                                                      قلت : قد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه ، فأنكرتها عائشة ، وأما الروايات عن ابن مسعود ، فإنما فيها تفسير ما في النجم ، وليس في قوله ما يدل على نفي الرؤية لله . وذكرها في الصحيح وغيره .

                                                                                      قال يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ، ثم غسله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ثم أفرغها في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا ، فقال لخازنها : افتح ، قال : من هذا ؟ قال : جبريل . قال : هل معك أحد ؟ قال : نعم محمد . قال : أرسل إليه ؟ قال : نعم . ففتح ، فلما علونا السماء الدنيا ، إذا رجل عن يمينه أسودة ، وعن يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح ، والابن الصالح . قلت : يا جبريل من [ ص: 211 ] هذا ؟ " . قال : آدم عليه السلام ، وهذه الأسودة نسم بنيه ، فأهل اليمين أهل الجنة والتي عن شماله أهل النار . ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية ، فقال لخازنها : افتح . فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ، ففتح .

                                                                                      قال أنس : فذكر أنه وجد في السموات : آدم ، وإدريس وعيسى ، وموسى ، وإبراهيم ، ولم يثبت -يعني أبا ذر كيف منازلهم ، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا ، وإبراهيم في السادسة ، فلما مر جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس ، قال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح . قال : ثم مر ، قلت : من هذا ؟ قال : إدريس ، قال : ثم مررت بموسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح . قلت : من هذا ؟ قال : موسى . ثم مررت بعيسى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح . قلت : من هذا ؟ قال : عيسى . ثم مررت بإبراهيم ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح ، والابن الصالح . قلت : من هذا ؟ قال : إبراهيم .

                                                                                      قال ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة [ ص: 212 ] الأنصاري كانا يقولان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام
                                                                                      .

                                                                                      قال ابن شهاب : قال ابن حزم ، وأنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة ، قال : فرجعت بذلك حتى أمر بموسى ، فقال : ماذا فرض ربك على أمتك ؟ قلت : فرض عليهم خمسين صلاة . قال موسى : فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك . قال : فراجعت ربي ، فوضع عني شطرها ، فرجعت إلى موسى فأخبرته ، قال : فراجع ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك . فراجعت ربي فقال : هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي . فرجعت إلى موسى فقال : ارجع إلى ربك . فقلت : قد استحييت من ربي . قال : ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي ، قال : ثم دخلت الجنة ، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك .

                                                                                      أخبرنا بهذا الحديث يحيى بن أحمد المقرئ بالإسكندرية ، ومحمد بن حسين الفوي بمصر ، قالا : أخبرنا محمد بن عماد ، قال : أخبرنا عبد الله بن رفاعة ، قال : أخبرنا علي بن الحسن الشافعي ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر البزاز ، قال : حدثنا أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني ، قال : حدثنا أبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، فذكره . رواه مسلم عن حرملة ، عن ابن وهب .

                                                                                      [ ص: 213 ] وروى النسائي شطره الثاني من قول ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس ، وأبا حبة ، إلى آخره ، عن يونس ، فوافقناه بعلو .

                                                                                      وقد أخرجه البخاري من حديث الليث ، عن يونس وتابعه عقيل ، عن الزهري .

                                                                                      وقال همام : سمعت قتادة يحدث ، عن أنس ، أن مالك بن صعصعة حدثه ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به ، قال : " بينما أنا في الحطيم وربما قال قتادة في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه : الأوسط بين الثلاثة قال : فأتاني وقد سمعت قتادة يقول فشق ما بين هذه إلى هذه ، قال قتادة : قلت لجارود ، وهو إلى جنبي : ما يعني ؟ قال : من ثغرة نحره إلى شعرته ؟ قال : فاستخرج قلبي ، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا ، فغسل قلبي ، ثم حشي ، ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل ، وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود : هو البراق يا أبا حمزة ؟ قال : نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه ، فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قال : مرحبا به ونعم المجيء جاء . ففتح له ، فلما خلصت فإذا آدم فيها ، فقال : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلمت عليه . فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالابن الصالح ، والنبي الصالح ، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية ، فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال جبريل : قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا [ ص: 214 ] الصالح والنبي الصالح . ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ونعم المجيء جاء . قال : ففتح ، فلما خلصت فإذا إدريس ، قال : هذا إدريس فسلم عليه ، فسلمت ورد ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ونعم المجيء جاء . قال : ففتح ، فلما خلصت فإذا هارون ، قال : هذا هارون فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد حتى أتى السماء السادسة ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحبا به ونعم المجيء جاء . قال : ففتح ، فلما خلصت فإذا موسى عليه السلام ، قال : هذا موسى فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، قال : فلما جاوزت بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأنه غلام بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . ثم صعد حتى أتى السماء السابعة ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . فقال : مرحبا به ونعم المجيء جاء . ففتح ، فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام ، قال : هذا إبراهيم فسلم عليه . فسلمت عليه ، فرد ، وقال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح . ثم رفعت إلى سدرة المنتهى . فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فقال : هذه سدرة المنتهى . وإذا أربعة أنهار : نهران باطنان ، ونهران ظاهران . فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في [ ص: 215 ] الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات . ثم رفع البيت المعمور ، ثم أتيت بإناء من لبن ، وإناء من عسل ، فأخذت اللبن . فقال : هذه الفطرة أنت عليها وأمتك . قال : ثم فرضت علي الصلاة خمسون صلاة في كل يوم ، فرجعت فمررت على موسى فقال : بم أمرت ؟ قلت : بخمسين صلاة في كل يوم . قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك ، فإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك ، قال : فرجعت فوضع عني عشرا ، فرجعت إلى موسى ، فقال : بما أمرت ؟ قلت : بأربعين صلاة كل يوم . قال : إن أمتك لا تستطيعها فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . فرجعت فوضع عني عشرا أخر ، ثم رجعت إلى موسى فذكر الحديث إلى أن قال : إن أمتك لا تستطيع بخمس صلوات كل يوم ، وإني خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قلت : قد سألت ربي حتى استحييت ، ولكن أرضى وأسلم . فلما نفرت ناداني مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي .

                                                                                      أخرجه البخاري ، عن هدبة عنه .

                                                                                      وقال معاذ بن هشام : حدثني أبي ، عن قتادة ، قال : حدثنا أنس ، عن مالك بن صعصعة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكر نحوه ، وزاد فيه : فأتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فشق من النحر إلى مراق البطن ، فغسل بماء زمزم ، ثم ملئ حكمة وإيمانا . أخرجه مسلم بطوله .

                                                                                      [ ص: 216 ] وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما أنا عند البيت ، بين النائم واليقظان ، إذ سمعت قائلا يقول : أحد الثلاثة بين الرجلين . قال : فأتيت فانطلق بي ، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم ، فشرح صدري إلى كذا وكذا . قال قتادة : قلت لصاحبي : ما يعني ؟ قال : إلى أسفل بطني ، فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ، ثم أعيد مكانه ، وحشي ، أو قال : كنز إيمانا وحكمة - شك سعيد - ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق ، فوق الحمار ودون البغل ، يقع خطوه عند أقصى طرفه ، فحملت عليه ومعي صاحبي لا يفارقني ، فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا .

                                                                                      وساق الحديث كحديث همام ، إلى قوله : البيت المعمور ، فزاد : " يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم
                                                                                      " .

                                                                                      قلت : وهذه زيادة رواها همام في حديثه ، وهو أتقن من ابن أبي عروبة ، فقال : قال قتادة ، فحدثنا الحسن ، عن أبي هريرة أنه رأى البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم لا يعودون إليه . ثم رجع إلى حديث أنس ، وفي حديث ابن أبي عروبة : " في سدرة المنتهى " إن ورقها مثل آذان الفيلة ، ولفظه : ثم أتيت على موسى فقال : بم أمرت ؟ قلت : بخمسين صلاة ، قال : إني قد بلوت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك . فرجعت ، فحط عني خمس صلوات فما زلت أختلف بين ربي وبين موسى كلما أتيت عليه ، قال لي مثل مقالته ، حتى رجعت بخمس صلوات ، كل يوم ، فلما أتيت على موسى قال كمقالته ، قلت : لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت ، ولكن أرضى وأسلم . فنوديت أن : قد أمضيت فريضتي ، وخففت عن عبادي ، وجعلت بكل [ ص: 217 ] حسنة عشر أمثالها . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقد رواه ثابت البناني وشريك بن أبي نمر ، عن أنس ، فلم يسنده لهما ، لا عن أبي ذر ، ولا عن مالك بن صعصعة ، ولا بأس بمثل ذلك ، فإن مرسل الصحابي حجة .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية