الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجد بدو الصلاح في بعض جنس المبيع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فإن وجد بدو الصلاح في بعض الجنس من حائط جاز بيع [ ذلك ] الجنس كله في ذلك الحائط ; لأنا لو قلنا : لا يجوز إلا فيما بدا صلاحه فيه ، أدى إلى المشقة والضرر بسوء المشاركة ، ولا يجوز أن يبيع ما لم يبد فيه الصلاح من جنس آخر وما لم يبد فيه الصلاح في ذلك الجنس من حائط آخر ; لأن المنع من ذلك لا يؤدي إلى الضرر بسوء المشاركة ، فإن بدا الصلاح في بعض الجنس في حائط ، فباع منه ما لم يبد فيه الصلاح مفردا من غير شرط القطع ، ففيه وجهان . ( أحدهما ) : يجوز ; لأنا جعلناه في حكم ما بدا فيه الصلاح فجاز إفراده بالبيع ، ( والثاني ) : لا يجوز ; لأنه إنما جعل في حكم ما بدا فيه الصلاح تبعا لما بدا فيه الصلاح ، وما أجيز بيعه تبعا لغيره لم يجز إفراده بالبيع كالحمل )

التالي السابق


( الشرح ) في هذه الجملة ثلاث مسائل ( إحداها ) : قال الشافعي رضي الله عنه والأصحاب : إذا بدا الصلاح في بعض الثمرة جاز بيع جميعها ، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بأن الثمار لا تطيب دفعة واحدة رفقا بالعباد ، فإنها لو طابت دفعة واحدة لم يكمل تفكههم بها وإنما تطيب شيئا فشيئا ، ولو اشترط في كل ما يباع طيبه في نفسه لكان فيه ضرر ، فإن العذق الواحد يطيب بعضه دون بعض ، وإلى أن يطيب الأخير يتساقط الأول ، فكان يؤدي إلى أنه إما أن لا يباع ، وإما أن يباع حبة حبة ، وفي كلا الأمرين حرج ومشقة ، وقد قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج }

[ ص: 159 ] وقال صلى الله عليه وسلم : { بعثت بالحنيفية السمحة } وذكر الشافعي رضي الله عنه في الأم عن عطاء في الحائط : تكون فيه النخلة فتزهي ، والحائط بلح ، قال : حسبه إذا أكل منه فليبع ، ولا أعلم بين العلماء خلافا في أنه لا يشترط الصلاح في جميع المبيع ، وإنما اختلفوا في مقدار ما يضبطونه به ، ومذهبنا : أنه يكفي بدو الصلاح في نخلة واحدة ، بل في بسرة واحدة ، ولا خلاف أن غير النخل من الشجر حكمه حكم النخل ، إذا عرفت هذه الجملة ، فقد قال الأصحاب : إذا بدا الصلاح في بعض الثمرة دون بعض نظر إن اختلف الجنس ، لم يكن بدو الصلاح في أحد الجنسين صلاحا في الجنس الآخر ، حتى لو باع الرطب والعنب صفقة واحدة ، وبدا الصلاح في أحدهما دون الآخر وجب شرط القطع في الجنس الذي لم يبد فيه ، لا خلاف في ذلك عندنا .

وقال الليث بن سعد : يجوز ، ويكون ذلك صلاحا لجميع أجناس الثمار في ذلك البلد . وإن اتحد الجنس والنوع والبستان والصفقة والملك جاز البيع من غير شرط القطع بلا خلاف . وإن اختلف شيء من هذه الأشياء ففيه صور . ( الأولى ) : أن يختلف النوع كالمعقلي والبرني ، فيبيع النوع الذي بدا صلاحه ، والنوع الذي لم يبد صلاحه من جنسه في ذلك البستان صفقة واحدة ، وفيه وجهان مشهوران في طريقتي العراقيين والخراسانيين ، كالوجهين في نظير ذلك في التأبير ، ( والأصح ) عند الرافعي : التبعية ، وأن حكمه وحكم التأبير واحد ، وذلك مقتضى إطلاق المصنف رحمه الله تعالى ، وهو قول ابن خيران وأبي علي الطبري على ما حكاه أبو الطيب عنهما ، وبه جزم البندنيجي فيما نقل عنه ، وهو الذي نص عليه الشافعي على ما حكاه أحمد بن بشرى عن الإملاء أنه قال فيه : إذا كان في حائط برني وعجوة وصيحاني فبدا صلاح الجنس جاز بيع الجميع .

( وأما ) قوله في الصرف : فإن كان نخلا وعنبا أو غيره ، وبدا صلاح صنف منه ، فلا يجوز أن يبيع واحدا منهما بحاله ، فلا ينافيه ، فإن معنى هذا أن يفرده بالبيع ، ومعنى الأول أن يبيع الأصناف جملة .

[ ص: 160 ] وهذا النص المنقول عن الإملاء صريح لا يقبل التأويل ، لكن القاضي أبا الطيب قال : إن الصحيح الذي ذكره القاضي أبو حامد في الجامع ، ونص الشافعي عليه في البويطي : أنه لا يكون بدو الصلاح في النوع الآخر ; لأنه قد نص أن الصلاح إذا بدا في الثمرة الصيفية فإنه لا يكون بدوا له في الثمرة الشتوية ، فكذلك في النوعين مثله سواء . ( قلت ) : ولا حجة في هذا ; لأن الثمرة الشتوية والصيفية يختلفان في الوقت اختلافا ظاهرا بعيدا والنوعان من الثمرة الواحدة متقاربان غالبا ، نعم إن فرض نوعان أحدهما شتوي والآخر صيفي ، فينبغي أن يكون الأمر كما قال القاضي أبو الطيب ، فإنا إنما نعتبر بدو الصلاح لكونه وقتا يغلب على الظن فيه أمنها من العاهة ، ولا شك أن بين صلاح الشتوية والصيفية من الزمان ما لا يوثق بذلك فيه ، وكلام الشافعي الذي قاله قال : وصلاح الثمرة إذا احمرت أو اصفرت في الحائط نخلة واحدة ، فقد جاز بيعه وإن كان بعضه شتويا وبعضه صيفيا ، فلا يجوز إلا أن يبيع كل واحد منهما على حباله ، وظاهر هذا الكلام أنه في الجنس الواحد ، وأما حمله على الجنسين فبعيد .

وإذا كان في الجنس الواحد ، فلا وجه حينئذ بأن يقال : بأن بعض الأنواع تابع لبعض ، وإن كان بعضها شتويا وبعضها صيفيا ، لمخالفة نص الشافعي ، فأما أن يقال : إن ذلك شاهد ; لأن اختلاف النوع يؤثر في قطع التبعية مطلقا كما قال القاضي أبو الطيب ، وإما أن يقال : إنه يفرق في الأنواع بين ما يتقارب إدراكها فيحكم فيها بالتبعية ، وبين ما يتأخر فلا يحكم ، بل لا ينظر إلى اختلاف الأنواع ، بل إلى تفاوت الزمان ، حتى لو كان نوع واحد معقلي مثلا ، منه ما يكون في الصيف ، ومنه ما يكون في الشتاء ، لا يجعل أحدهما تابعا للآخر في الصلاح ، فهذا هو الأقرب لكلام الشافعي المذكور ، والمعنى والفقه يقتضيه كان المقصود هنا الأمن من العاهة كما تقدم التنبيه عليه ، فالقول بأن اختلاف الأنواع لا أثر له وإن اختلف الزمان مخالف لنص الشافعي في البويطي ، ، وإلحاقه بالتأبير غير متجه لاختلاف المدرك في التأبير ، والقول بأن اختلاف الأنواع مؤثر مطلقا مخالف لنصه [ ص: 161 ] المنقول عن الإملاء .

وهذا الذي قلته يحسن أن يكون وجها ثالثا ، وبه يحصل الجمع بين النصوص التي نقلت عن الشافعي ، ويمكن أن يحمل كلام الشافعي في الصيفي والشتوي على الجنسين إن لم يكن فيه ما يدفعه ، قال ابن أبي عصرون : وإذا كان في البستان جنسان يتباعد إدراكهما كالصيفي والشتوي ، وبدا صلاح الصيفي ، لا يتبعه الشتوي ، والله تعالى أعلم .

ومن العجب أن ابن خيران اختار فيما إذا أبر بعض الأنواع دون بعض : أن غير المؤبر لا يتبع المؤبر ، واختار أن النوع الذي لم يبد صلاحه يتبع الذي بدا صلاحه ، والقاضي أبو الطيب نقل ذلك عنه في المسألتين ، وهو مشهور عنه في المسألة الأولى ، وقد قدمت الفرق بين التأبير وبدو الصلاح واختلاف مأخذيهما ، فلذلك لا تناقض بين كلاميه ، وقال القاضي أبو الطيب : إنه ومن وافقه في مسألة بدو الصلاح استدلوا : بأن هذه الأنواع تضم إلى ما بدا صلاحه في الزكاة ، فمتى وجد منها وسقان ونصف ومن هذه التي بدا صلاحها وسقان ونصف ، وجبت الزكاة .

قال : وهذا الذي ذكروه ينتقض بما نص عليه الشافعي رضي الله عنه من الثمرة الشتوية مع الصيفية ، فإنها لا تتبعها في بدو الصلاح ، وإن كانت تضم إليها في الزكاة ، فإطلاق كلام المصنف رحمه الله تعالى يقتضي أنه لا فرق بين أن يختلف النوع أو لا ، ولا فرق بين أن يختلف الزمان أو لا ، وقد علمت ما فيه ، والله أعلم .

وقول المصنف : ولا يجوز أن يبيع ما لم يبد فيه الصلاح من جنس آخر قد قدمت أن ذلك لا خلاف فيه عندنا ، وأن الليث بن سعد خالف فيه ، وردوا عليه بأنه يلزمه بيع العنب قبل أن يسود ، وهو خلاف الحديث الصحيح .

( الصورة الثانية ) : أن يختلف البستان كما إذا بدا الصلاح في جنس في بستان ، وله بستان آخر ، فيه من ذلك الجنس لم يبد فيه الصلاح ، فباعهما صفقة واحدة ، فالمشهور من المذهب : أنه لا يصح ، وأن صلاح أحدهما لا يكون صلاحا للآخر ، وادعى القاضي أبو الطيب : أنه لا خلاف فيه ، وبذلك جزم الماوردي وجميع العراقيين ، ومال [ ص: 162 ] الإمام إلى خلاف ما قالوه ، سيما إذا لم يتباعد ، وليس بينهما إلا جدار ، ولأجل ذلك أثبت الغزالي في المسألة وجهين أخذا من تفقه الإمام ، وتبعه الرافعي ، وظاهر نص الشافعي يشهد لما قاله العراقيون ، فإنه قال في الأم : والحوائط تختلف بتهامة ونجد والسقيف ، فيستأخر إبار كل بلد بقدر حرها وبردها ، وما قدر الله من إبانها ، فمن باع حائطا منها لم يؤبر فثمرته للمبتاع ، وإن أبر غيره ; لأن حكمه به لا بغيره ، ولذلك لا يباع منها شيء حتى يبدو صلاحه ، وإن بدا صلاح غيره ، وسواء كان نخل الرجل قليلا أم كثيرا إذا كان في حظار واحدة وبقعة واحدة في غير حظار فبدا صلاح واحدة منه ، حل بيعه ولو كان إلى جنبه حائط آخر له أو لغيره ، فبدا صلاح حائط غيره الذي هو إلى جنبه لم يحل بيع ثمر حائطه بحلول بيع الذي إلى جنبه .

هذا كلام الشافعي رضي الله عنه وهو صريح بعدم التبعية إذا اختلف البستان والملك ، وظاهر في عدم التبعية عند اختلاف البستان وحده ، وإن كان قد اقتصر على قوله : حائط غيره ، ففي كلامه المذكور مواضع ترشد إلى اطراد الحكم في حائطه الآخر ، والله أعلم .

فإذا قلنا بالمشهور فباعها فيجب اشتراط القطع في الذي لم يبد صلاحه ، فإن باعها على الإطلاق بطل فيما لم يبد صلاحه ، وفي الذي بدا صلاحه قولا تفريق الصفقة ، قاله الماوردي فأما إذا أفرد البستان الذي لم يبد صلاحه بالبيع ، وقد بدا الصلاح في الذي إلى جانبه فقد تقدم : أن كلام الرافعي رحمه الله يقتضي جريان خلاف فيه ، ولم أقف عليه لغيره ، وصرح جماعة بالجزم بخلافه .

وقال الإمام : إنه رأى الطرق متفقة على خلافه ، وأن ذلك يشير إلى ما ذكره العراقيون من اعتبار اتحاد البستان .

( الصورة الثالثة ) : أن تختلف الصفقة مع اتحاد البواقي ، كما إذا بدا الصلاح في نوع من ذلك النوع في ذلك البستان ما لم يبد صلاحه منفردا من غير شرط القطع ، ففيه وجهان مشهوران في طريقتي العراقيين والخراسانيين ، وبعضهم يقول : قولان ( أحدهما ) : يجوز من غير شرط القطع لما ذكره المصنف ( والثاني ) وهو الصحيح [ ص: 163 ] عند القاضي أبي الطيب وابن أبي عصرون والرافعي : أنه لا يصح ، ورتب القاضي حسين هذين الوجهين على الوجهين فيما إذا جمع النوعين صفقة واحدة ، ( وإن قلنا ) هناك لا يستتبع فههنا أولى ، وإلا ففيه وجهان .

( فرع ) قال : بعتك هذا بكذا ، وهذا بكذا ، فالظاهر : أن الحكم كذلك نظرا لتفصيل الثمن ، وجوز ابن الرفعة : أن يأتي فيه وجه بالجزم بالصحة ، كما هو وجه أيضا فيما إذا قال : بعتك هذا بدرهم ، وأجرتك هذا بآخر ، فقال المخاطب : قبلتهما نظرا إلى الجمع في القبول .

( الصورة الرابعة ) : أن يختلف الملك مع اتحاد الجنس والنوع والبستان ، قيل : يجوز لمن لم يبد الصلاح في ملكه لأجل اتحاد البستان ، فإن طباعه واحدة ، وقد بدا الصلاح في ذلك النوع في الجملة ، أو لا يجوز نظرا إليه في نفسه ، فيه وجهان ، وقد علمت في الصورة الثالثة أن الصحيح عدم الصحة لأجل إفراد ما لم يبد صلاحه بالمبيع ، والمالك الواحد ، فههنا أولى بعدم الصحة قال الرافعي رحمه الله تعالى : وقياس ذكر الوجهين ههنا عند اتحاد البستان واختلاف الملك : أن يكونا في التأبير كذلك ، وإن لم يجر لهما ذكر ، والظاهر : أنه لا يعتبر في الموضعين اتحاد الملك .

( الصورة الخامسة ) : أن يختلف البستان والنوع مع اتحاد البواقي ، فمقتضى كلام الرافعي : إثبات خلاف في ذلك ، ولم أره لغيره ، وكيفما كان ، فالصحيح عدم التبعية عند تعدد البستان فعند تعدد البستان والنوع أولى .

( الصورة السادسة ) : أن يختلف البستان والنوع والصفقة ، فيفرد النوع الذي لم يبد صلاحه من أحد البستانين ، اعتمادا على بدو الصلاح في النوع الآخر ، من البستان الآخر الذي لم يبلغه ، فمقتضى كلام الرافعي إثبات خلاف فيه أيضا ، ولم أره ، وهو في غاية البعد وقال الإمام : إنه لم يختلف علماؤنا فيه فلا يقال : الوقت وقت بدو الصلاح ، فتجعل الثمار المبيعة كأنها مزهية ، هذا لا قائل به ، [ ص: 164 ] وكأنه أوجب للرافعي ، ذلك إجمال الكلام وعدم إفراد كل صورة بالذكر ، والله أعلم .

( الصورة السابعة ) : أن يختلف البستان وتتعدد الصفقة مع اتحاد البواقي ، وقد تقدم ذكرها في آخر الصورة الثانية ، فهذه سبع صور ، وقبلها صورتان وإذا اتحد الجميع واختلف الجنس فتصير تسعا . ( واعلم ) : أن الصور الممكنة من الاختلاف في ذلك ست عشرة : هذه التسع المذكورة ، وسبع أخرى ، وهي العاشرة ( الأولى ) : أن يتحد الجميع ( الثانية ) : أن يختلف الجنس ( الثالثة ) : أن يختلف النوع ( الرابعة ) : أن يختلف البستان ( الخامسة ) : أن تختلف الصفقة ( السادسة ) : أن يختلف الملك ( السابعة ) : أن يختلف النوع والبستان ، وهذه السبع تقدمت . ( الثامنة ) : أن يختلف النوع والصفقة ، فيبيع صاحب البستان نوعا لم يبد صلاحه منفردا اعتمادا على بدو الصلاح في نوع آخر عنده ، وقد تقدم : أن الصحيح عند تعدد الصفقة وحدها عدم التبعية ، فههنا أولى ، ولا يبعد أن يجرى فيها خلاف إذا جعلنا النوعين كالنوع الواحد وإطلاقهم يقتضي ذلك ; لكن الفوراني جزم بأنه لا يكون حكمه حكم المؤبر ، وكذلك يقتضيه كلام الغزالي في البسيط ، وقد تقدم في التأبير بحث في إثبات الخلاف فينظر هناك .

( التاسعة ) : أن يختلف النوع والملك مع اتحاد الصفقة ، كما إذا باع عن نفسه نوعا ، وعن موكله نوعا في بستان واحد بدا صلاح أحدهما ، ولم يبد صلاح الآخر ، وقلنا : إن الصفقة لا تتعدد ، وفرعنا على أن مثل هذا مبيع يصح ، فهل يصح من غير شرط القطع اعتمادا على أن الصفقة واحدة أو لا ، اعتمادا على تعدد الملك ؟ لم أر فيه نقلا .

( العاشرة ) : أن يختلف البستان والصفقة ، فيفرد الشخص من بستان له بيع ما لم يبد صلاحه اعتمادا على بدو الصلاح في ذلك النوع من بستان له آخر ، وقد تقدم . ( الحادية عشرة ) : أن يختلف البستان والملك فيبيع شخص عن [ ص: 165 ] نفسه نوعا من بستانه وعن موكله في ذلك النوع من بستان آخر ، وقد بدا الصلاح في أحدهما دون الآخر ، وفرعنا على صحة مثل هذا البيع ، فلم أر في ذلك نقلا . ( الثانية عشرة ) : أن تختلف الصفقة والملك فيبيع ما لم يبد صلاحه اعتمادا على بدو الصلاح في ملك غيره من ذلك النوع في ذلك البستان ، ولم أر فيه نقلا .

( الثالثة عشرة ) أن يتحد النوع مع اختلاف الثلاثة ، فيفرد نوعا اعتمادا على بدو الصلاح في نوع آخر من بستان غيره ، فإن صح ما تقدم عن الرافعي في إفراد أحد البستانين ، فلا يبعد أن يأتي في هذه الصورة أيضا خلاف والصحيح : المنع . ( الرابعة عشرة ) : أن يتحد البستان مع اختلاف الثلاثة فيبيع نوعا اعتمادا على بدو الصلاح في نوع آخر من ملك غيره في ذلك البستان ، ولا يبعد مجيء خلاف فيه والصحيح المنع . ( الخامسة عشرة ) : أن تتحد الصفقة مع اختلاف الثلاثة . ( السادسة عشرة ) : أن يتحد الملك مع اختلاف الثلاثة ، ولم أر فيهما نقلا ، ولا يخفى تخريجهما على ما تقدم ، والله أعلم .

والمذهب في جميع هذه الصور : عدم التبعية إلا فيما إذا اتحد الجميع ، فيصح بلا خلاف ، أو اختلف النوع فقط ، وفي التصحيح خلاف كما تقدم ، وبقية الصور كلها لا بد من شرط القطع فيما لم يبد صلاحه ، إما جزما أو على المذهب ، والله أعلم .

( فائدة ) النظر في هذه المسائل كلها هل هو لسوء المشاركة ؟ أو لعسر التمييز ؟ كلام الجمهور يقتضي الأول ، ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين الثمار والزروع ، وإن كان كثير من الأصحاب إذا تكلموا إنما يذكرون البستان والثمار ، فليس إلا على جهة ذكر بعض أفراد المسألة ، وممن صرح بذلك صاحب التتمة ، قال : إنه إذا اشتد بعض السنابل كان كالثمار إذا بدا الصلاح في بعضها ، لكنه فرض ذلك فيما إذا تسنبل جميع الحب ، والظاهر : أن ذلك منه ليس على سبيل الاشتراط ، فإنه لو تسنبل بعض الحب واشتد ، وبعضه إلى الآن [ ص: 166 ] بقل ، فقياس المذهب أن يبيع ، ويحتمل أن يقال : يجرى فيه الخلاف فيما إذا اطلع بعد البيع ، هل يبيع المؤبر حالة البيع ، ولو باع البطيخ على أصوله بعد بدو النضج والإدراك جاز مطلقا وبشرط التبقية كالثمار ، حتى لو أدرك بطيخة واحدة من جملة الأرض التي زرع فيها البطيخ وباع الجميع جاز ، ويدخل في العقد كل ما هو موجود من ثمره ويترك حتى يلتحق الصغار بالكبار ، قاله صاحب التتمة .

ولا يجوز بيع الجزر والفجل والسلق في الأرض لاستتاره وجهالته ، ويخالف الغائب ; لأنه لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالقلع ، وذلك عيب فيه ، قاله في التتمة وغيرها ، وقد تقدم ويصح بيع القنبيط في الأرض بشرط القطع ، إن لم يكن بلغ الحد الذي يقصد تناوله فيه ، وإن بلغه فيجوز مطلقا ، وبشرط التبقية ، ويترك حتى تلتحق الصغار بالكبار كالخيار والباذنجان ; لأن ما هو المقصود منه ظاهر ، وإنما المستتر بالأرض عروقه وهي غير مقصودة ، قاله في التتمة . والسلجم إن كان المعظم منه ظاهرا فكالقنبيط ، وإن كان في الأرض فكالفجل والسلق ، قاله في التتمة أيضا .

( فرع ) إذا باع شيئا من ثمرة البطيخ والقثاء والخيار والباذنجان ، وما أشبه ذلك منفردا عن الأصل نظرت ، فإن كان قبل بدو الصلاح فيها - لم يجز إلا بشرط القطع ، وإن كان بعد بدو الصلاح في بعض الجنس جاز بيع جميع ذلك الجنس في ذلك القداح من غير شرط القطع ; لأنه في معنى ثمرة الشجرة ، فكان حكمه في ذلك حكمها ، قاله في الاستقصاء .

( فرع ) ولا يجوز في شيء من ذلك أن يبيع ما ظهر من الثمرة ، أو الورد ، وما يظهر بعد ذلك في سنته ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، وقال مالك : يجوز . [ ص: 167 ] فرع ) لا خلاف أنه لا بد من وجود الصلاح في شيء ، وقول الغزالي : اتفقوا على أن وقت بدو الصلاح كاف ، محمول على ذلك ، وكذلك المراد في إقامة وقت التأبير مقام التأبير ، ونبهت على ذلك لئلا يتوهم من اعتبار الوقت : أنه لا يشترط وجود الصلاح بعد حضور وقته .

ولا قائل به ، وإنما أطلق الغزالي هذه العبارة ; لأن العادة أن الوقت إذا حضر فلا بد أن يوجد في بعض ، والله أعلم .

( فرع ) إذا كان بستانان فيهما زرع واحد فبدا الصلاح في أحدهما قال العبدري : فإنه لا يكون صلاحا في الآخر . ويصح إفراد هذا البيع دون الآخر لا يختلف المذهب فيه ، هذا قول العبدري في الكفاية ، وذكر ذلك بيانا لحكم مثله في النخل ، فإن كان عنده أن النخل أيضا لا يختلف فيه فهو المشهور الموافق لطريقة العراقيين كما تقدم ، وإن كان هذا في الزرع بخصوصه فيحتاج إلى فرق ، والله أعلم .

( فرع ) وقد تفهم من كلام بعض الأصحاب : أن منهم من قال باعتبار وقت بدو الصلاح أو وقت التأبير ، ويجعل ذلك بمثابة التأبير نفسه . ومعنى ذلك أنه إذا اتحد النوع واختلفت الصفقة أو بالعكس مع حصول التأبير في الجملة ، أما اعتبار الوقت من غير تأبير أصلا ، فهذا لم يقل به أحد من أصحابنا وكذلك في بدو الصلاح ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث