الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

غزوة بني النضير

قال معمر ، عن الزهري ، عن عروة : كانت غزوة بني النضير ، وهم طائفة من اليهود ، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر . وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح ، فأنزلت ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ( 2 ) ) [ الحشر ] الآيات .

فأجلاهم إلى الشام ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء . وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي .

[ ص: 379 ] وقوله : ( لأول الحشر ( 2 ) ) ، فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام .

ويرويه عقيل عن الزهري ، قوله . وأسنده زيد بن المبارك الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . وذكر عائشة فيه غير محفوظ .

وقال ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن يهود بني النضير ، وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجلى بني النضير ، وأقر قريظة ومن عليهم ، حتى حاربوا بعد ذلك . أخرجه البخاري .

وقال معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج قبل وقعة بدر : إنكم آويتم صاحبنا ، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بجمعنا حتى نقتل مقاتلكم ونستبيح نساءكم . فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي وأصحابه ، اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغه ذلك فلقيهم فقال : لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم ، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ؟ فلما سمعوا ذلك تفرقوا . فبلغ ذلك كفار قريش ، فكتبوا بعد بدر إلى اليهود : إنكم أهل الحلقة والحصن وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء . وهي الخلاخيل .

فلما بلغ كتابهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، أجمعت بنو النضير بالغدر ، وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك ، وليخرج منا [ ص: 380 ] ثلاثون حبرا ، حتى نلتقي بمكان المنصف ، فيسمعوا منك ، فإن صدقوا وآمنوا بك آمنا بك . فقص خبرهم .

فلما كان الغد ، غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم ، فقال لهم : إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه . فأبوا أن يعطوه عهدا ، فقاتلهم يومهم ذلك .

ثم غدا على بني قريظة بالكتائب ، وترك بني النضير ، ودعاهم إلى أن يعاهدوه ، فعاهدوه ، فانصرف عنهم .

وغدا إلى بني النضير بالكتائب ، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء . فجلت بنو النضير ، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبوابهم وخشبهم . فكان نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، أعطاه الله إياها ، فقال : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ( 6 ) ) [ الحشر ] ، يقول : بغير قتال . فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها المهاجرين وقسمها بينهم ، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانوا ذوي حاجة . وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها .

وذهب موسى بن عقبة ، وابن إسحاق إلى أن غزوة بني النضير كانت بعد أحد ، وكذلك قال غيرهما . ورواه ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة . وهذا حديث موسى وحديث عروة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير يستعينهم في عقل الكلابيين . وكانوا يزعمون قد دسوا إلى قريش حين نزلوا بأحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحضوهم على القتال ودلوهم على العورة . فلما كلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقل الكلابيين ، [ ص: 381 ] قالوا : اجلس يا أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك ونقوم فنتشاور . فجلس بأصحابه ، فلما خلوا والشيطان معهم ، ائتمروا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لن تجدوه أقرب منه الآن ، فاستريحوا منه تأمنوا . فقال رجل : إن شئتم ظهرت فوق البيت الذي هو تحته فدليت عليه حجرا فقتلته . فأوحى الله إليه فأخبره بشأنهم وعصمه ، فقام كأنه يقضي حاجة . وانتظره أعداء الله ، فراث عليه . فأقبل رجل من المدينة فسألوه عنه فقال : لقيته قد دخل أزقة المدينة . فقالوا لأصحابه : عجل أبو القاسم أن نقيم أمرنا في حاجته . ثم قام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا ونزلت ( يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ( 11 ) ) [ المائدة ] الآية .

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلائهم ، وأن يسيروا حيث شاءوا . وكان النفاق قد كثر بالمدينة . فقالوا : أين تخرجنا ؟ قال : أخرجكم إلى الحشر . فلما سمع المنافقون ما يراد بأوليائهم أرسلوا إليهم : إنا معكم محيانا ومماتنا ، إن قوتلتم فلكم علينا النصر ، وإن أخرجتم لم نتخلف عنكم . وسيد اليهود أبو صفية حيي بن أخطب . فلما وثقوا بأماني المنافقين عظمت غرتهم ومناهم الشيطان الظهور ، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إنا والله لا نخرج ولئن قاتلتنا لنقاتلنك .

فمضى النبي صلى الله عليه وسلم لأمر الله فيهم ، وأمر أصحابه فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم ، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم . فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال في دورهم وحصونهم ، وحفظ الله له أمره وعزم له على رشده ، فأمر أن يهدم الأدنى فالأدنى من دورهم ، وبالنخل أن تحرق وتقطع ، وكف الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم ، وألقى في قلوب الفريقين الرعب . ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدم ما يلي مدينتهم ، ألقى الله في [ ص: 382 ] قلوبهم الرعب ، فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ، ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه يهدمون شيئا فشيئا . فلما كادت اليهود أن يبلغ آخر دورها ، وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم ، فلما يئسوا مما عندهم ، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك ، فقاضاهم على أن يجليهم ، ولهم أن يحملوا ما استقلت به الإبل إلا السلاح . وطاروا كل مطير ، وذهبوا كل مذهب . ولحق بنو أبي الحقيق بخيبر ومعهم آنية كثيرة من فضة ، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون . وعمد حيي بن أخطب حتى قدم مكة على قريش ، فاستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبين الله لرسوله حديث أهل النفاق ، وما بينهم وبين اليهود ، وكانوا قد عيروا المسلمين حين قطعوا النخل وهدموا . فقالوا : ما ذنب الشجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون ؟ فأنزل الله " سبح لله " سورة الحشر . ثم جعلها نفلا لرسوله ، فقسمها فيمن أراه الله من المهاجرين . وأعطى منها أبا دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، الأنصاريين . وأعطى - زعموا - سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق .

وكان إجلاء بني النضير في المحرم سنة ثلاث .

وأقامت بنو قريظة في المدينة في مساكنهم ، لم يؤمر فيهم النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ولا إخراج حتى فضحهم الله بحيي بن أخطب وبجموع الأحزاب .

هذا لفظ موسى بن عقبة ، وحديث عروة بمعناه ، إلى إعطاء سعد السيف .

وقال موسى بن عقبة وغيره ، عن نافع ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 383 ] قطع نخل بني النضير وحرق ، ولها يقول حسان بن ثابت :


وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

وفي ذلك نزلت هذه الآية : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ( 5 ) ) [ الحشر ]
. متفق عليه .

وقال عمرو بن دينار ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس ، عن عمر ، أن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ، ولا ركاب ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله . أخرجاه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث