الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقد استنكر سبحانه فعل الفاسقين، ولو كانوا كثرة كاثرة، فقال تعالت كلماته:

* * * أفحكم الجاهلية يبغون .

* * *

هذا استفهام إنكاري توبيخي، أي أنه إنكار للواقع الذي يقع من الفاسقين عن أمر ربهم، وعن الحكم الذي يحكم به الله تعالى، والفاء هنا هي التي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا يخرجون فهم يبغون حكم الجاهلية، وقدمت الهمزة على الفاء، لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر دائما، ولو كان استفهاما إنكاريا لاستنكار الواقع، وسوق الكلام بشكل الاستفهام الإنكاري فيه تأكيد لمعنى ابتغائهم حكم الجاهلية، ثمة تأكيدان آخران، لارتضائهم الحكم الجاهلي: أولهما: تقديم [ ص: 2237 ] المفعول على الفعل، وفي ذلك إشارة إلى أنهم بإعراضهم عن حكم القرآن لا يبتغون ولا يريدون إلا الحكم الجاهلي، أي أنه لا يخضع الشخص إلا لأحد نوعين من الحكم حكم القرآن، والثاني حكم الجاهلية - وقد يقال: بينهما ثالث، وهو حكم العقل والقسطاس، ونقول: إن من يبني حكم العقل والقسطاس لا يمكن أن يتولى عن حكم القرآن، إنما يتولى عن حكم القرآن من يريد حكم الهوى والشهوة، وحكم العقل وحكم الشهوة نقيضان لا يجتمعان.

والتأكيد الثاني لارتضائهم حكم الجاهلية: هو التعبير عن رضاهم عنه بقوله تعالى: يبغون ؛ لأن البغي هو الطلب بشدة تؤدي إلى الظلم.

وإنه لا وسط بين حكم الجاهلية وحكم القرآن؛ لأن حكم القرآن هو العدل وهو النظام، وهو المساواة في الحقوق والواجبات، لا يعفى من حكمه شريف، ولا حاكم، وليس فيه من ذاته مصونة لا تمس، بل الجميع أمام الله تعالى على سواء، وأما حكم غير القرآن ففيه التفاوت بالطبقات، وفيه السيطرة التي لا يسوغها منطق ولا عدل، ولا نظام، وفيه أكل أموال الناس بالباطل، كالربا، وسائر أنواع السحت، وقد قال بعض التابعين: من حكم بغير الله فهو حكم الجاهلية.

وقد جاء في التفسير الأثري لابن كثير المحدث والمؤرخ ما نصه:

"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، كما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله .. . [ ص: 2238 ] وما أشبه "الياسق" الذي وضعه جنكيزخان بـ"قانون نابليون" وما جاء بعده من قوانيننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون الاستفهام هنا إنكاري فيه إنكار للوقوع، أي أنه بمعنى النفي المؤكد، كأنه استفهم عن أن يكون ثمة من هو أحسن حكما من الله، فأجيب بالنفي المؤكد الذي لا يتصور فيه أن يكون من هو أحسن حكما، والمعنى لا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، وهنا يرد سؤال هو لقد ذكر أنه لا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، مع أنه سبحانه أحسن حكما لمن يوقنون ومن لا يوقنون، إذ هو العدل والمصلحة. وبها ينتفع البر والفاجر، والسليم والسقيم، فهو الخير الوارف الظلال، فلماذا القيد بقوله تعالت كلماته: لقوم يوقنون ؟ والجواب عن ذلك يتكون من جزءين: أولهما: أن أولئك هم الذين ينتفعون به، فكان الأحسن لهم والأقوم، أما غيرهم فهم قوم بور، وهم في غيهم يعمهون.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث