الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

التالي السابق


أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: يأتوك إلى آخره، وإنما ذكر هذه الآية مترجما بها؛ تنبيها على أن اشتراط الراحلة في وجوب الحج لا ينافي جواز الحج ماشيا مع القدرة على الراحلة وعدم القدرة؛ لأن الآية اشتملت على المشاة والركبان، وذلك أن سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون على ما روى الطبراني - رحمه الله تعالى - من طريق عمرو بن ذر -رحمه الله تعالى - قال: قال مجاهد -رضي الله تعالى عنه -: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وأول الآية وأذن في الناس بالحج يأتوك الآية، قال المفسرون: لما فرغ إبراهيم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن، قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: يا رب وما يبلغ أذاني؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فقام بالمقام.

وقيل: على جبل أبي قبيس، وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، وقال: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى الحج ببيته الحرام، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله تعالى أن يحج، فأجابوا: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ بعدد حج على قدره. قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا، وهذا قول الجمهور.

وقال قوم: المأمور بالتأذين محمد صلى الله عليه وسلم، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع.

والتوفيق بين القولين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره الله بذلك؛ إحياء لسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

(قلت): يأتوك على القول الأول خطاب لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى القول الثاني لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو مجزوم؛ لأنه جواب الأمر، وهو قوله: "أذن" .

قوله: رجالا نصب على الحال من الضمير الذي في يأتوك وهو جمع راجل، كذا قاله أبو عبيد في (كتاب المجاز) نحو صحاب وصاحب، وعن ابن عباس: رجالا رجالة، وقرأ عكرمة مشددا، وقرأ مجاهد مخففا.

وقال الجوهري: جمع الراجل رجل مثل صاحب وصحب، ورجالة ورجال، والأراجيل جمع الجمع.

قوله: وعلى كل ضامر من الضمور وهو الهزال.

وقال أبو الليث: وعلى كل ضامر يعني: الإبل وغيرها، فلا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد [ ص: 129 ] ضمر من طول الطريق، وضامر بغير هاء يستعمل للمذكر والمؤنث.

وقال النسفي في (تفسيره) وعلى كل ضامر حال معطوفة على (رجالا) كأنه قيل: رجالا وركبانا، والضامر البعير المهزول.

قوله: (يأتين) صفة لكل ضامر; لأن كل ضامر في معنى الجمع، أراد النوق.

قوله: من كل فج عميق أي: من كل طريق بعيد، ومنه قيل: بئر عميقة، وقرأ ابن مسعود "معيق" فقال: بئر بعيدة القعر.

قوله: ليشهدوا أي: ليحضروا منافع لهم هي التجارة. وقيل: منافع الآخرة. وقيل: منافع الدارين جميعا، وتمام الآية: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير

قوله: ويذكروا أي: وليذكروا اسم الله في أيام معلومات، يعني: يوم النحر، ويومين بعده.

وقال مجاهد، وقتادة: المعلومات الأيام العشر، والمعدودات أيام التشريق.

قوله: على ما رزقهم من بهيمة الأنعام متعلق بذكروا، والمعنى: ويذكروا اسم الله على ذبح أنعامهم، والمراد بالذكر التسمية، وهي قوله: بسم الله، والله أكبر، اللهم منك وإليك، عن فلان، كان الكفار يدعون ويذبحون على أسماء أصنامهم، فبين الله تعالى أن الواجب الذبح على اسمه، وبهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم.

قوله: فكلوا منها فهو أمر إباحة، وكان أهل الجاهلية لا يرون ولا يستحلون الأكل من ذبائحهم.

قوله: وأطعموا البائس أي: الذي اشتد فقره.

وقال أبو الليث: البائس الصرير الزمن، والفقير الذي ليس له شيء.

وقال الزجاج: البائس الذي أصابه البؤس، وهو الشدة. وما يتعلق بذلك من الفقه عرف في موضعه.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث