الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( المسألة الأولى ) أنشد بعض الفضلاء ما يقول الفقيه أيده الله : ولا زال عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان اعلم أن هذا البيت من نوادر الأبيات وأشرفها معنى وأدقها فهما وأغربها استنباطا لا يدرك معناه إلا العقول السليمة والأفهام المستقيمة والفكر الدقيقة من أفراد الأذكياء وآحاد الفضلاء والنبلاء بسبب أنه بيت واحد وهو مع صعوبة معناه ودقة مغزاه مشتمل على ثمانية أبيات في الإنشاد بالتغيير والتقديم والتأخير بشرط استعمال الألفاظ في حقائقها دون مجازاتها مع التزام صحة الوزن على القانون اللغوي وكل بيت مشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية والألفاظ اللغوية وتلك المسألة صعبة المغزى .

[ ص: 64 ] وعرة المرتقى ومشتمل على سبعمائة مسألة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية والتعاليق اللغوية بشرط التزام المجاز في الألفاظ وإطراح الحقائق والإعراض عن ضابط الوزن وقانون الشعر بأن يطول البيت نحوا من ضعفه ويحصل هذا العدد العظيم من هذه اللفظات الثلاث وتبديلها بأضدادها واستعمالها في مجازاتها وتنقلها في التقديم والتأخير مفترقة ومجتمعة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقد وقع هذا البيت لشيخنا الإمام الصدر العالم جمال الفضلاء رئيس زمانه في العلوم وسيد وقته في التحصيل والمفهوم جمال الدين الشيخ أبي عمرو بأرض الشام وأفتى فيه وتفنن وأبدع فيه ونوع رحمه الله وقدس روحه الكريمة وها أنا قائل لك لفظه الذي وقع لي بفصه ونصه ثم أذكر بعد ذلك ما وهبه الله تعالى لي من فضله قال : رحمه الله هذا البيت من المعاني الدقيقة الغريبة التي لا يعرفها في مثل هذا الزمان أحد وقد سئلت عن هذه المسألة بمصر وأجبت بما فيه كفاية ثم سئلت عنها بدمشق فقلت : هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه لأن ما بعد قبل الأول قد يكون قبلين وقد يكون بعدين .

وقد يكون مختلفين فهذه أربعة أوجه كل منها قد يكون قبله قبل وقد يكون قبله بعد صارت ثمانية فاذكر قاعدة ينبني عليها تفسير الجميع وهي أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فألغهما لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما هو بعده فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان فيكون شعبان أو قبله رمضان فيكون شوالا فلم يبق إلا ما جميعه قبل أو جميعه بعد فالأول هو الشهر الرابع من رمضان لأن معنى ما قبل قبله رمضان شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وذلك ذو الحجة والثاني هو الرابع أيضا ولكن على العكس لأن معنى بعد ما بعد بعده رمضان شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده وذلك جمادى الأخيرة فإذا تقرر ذلك فقبل ما قبل قبله رمضان ذو الحجة وقيل ما بعد بعده رمضان شعبان لأن المعنى بعده رمضان وذلك شعبان وبعد ما قبل قبله رمضان شوال لأن المعنى قبله رمضان وذلك شوال وقبل ما بعد قبله رمضان شوال لأن المعنى أيضا قبله رمضان وذلك شوال فهذه الأربعة الأول ثم اجر الأربعة الأخر على ما تقدم فإن بعد ما قبل قبله رمضان شوال لأن المعنى قبله رمضان وذلك شوال وبعد ما بعد بعده رمضان وذلك جمادى الأخيرة لأن ما بعد بعده شعبان وبعده رمضان فهو جمادى الأخيرة وبعد ما قبل بعده رمضان شعبان لأن المعنى بعده رمضان وذلك شعبان وبعد ما بعد قبله رمضان شعبان لأن المعنى بعده رمضان وذلك شعبان قلت : هذا نص ما وجدته مكتوبا عنه رحمه الله في تعليق علق عنه في مسائله النادرة التي سئل عنها .

وبقيت أمور لم يتعرض لها الشيخ رحمه الله فينبغي زيادتها وإيضاحها ليتكمل بذلك بيان المسألة إن شاء الله تعالى أحدها زيادة إيضاح كون البيت ثمانية في التصوير فإنه للبيت أصل وفرع فأصله اجتماع ثلاث قبلات وتفرع سبعة أخرى : أحدها أن يبدل الجميع بالبعدات نحو بعد ما بعد بعده فهذه الصورة الثانية . الثالثة أن يبدل من قبل الأخيرة فقط نحو قبل ما قبل بعده . الرابعة أن يبدل من [ ص: 65 ] الثاني والثالث دون الأول نحو قبل ما بعد بعده . الخامسة أن يوسط البعد بين قبلين . السادسة أن يعمد إلى البعدات الثلاثة فيعمل فيها كما عملنا في القبلات فنقول بعد ما بعد قبله .

السابعة أن يبدل من البعدين الأخيرين دون الأول نحو بعد ما قبل قبله . الثامنة أن يوسط القبل بين البعدين كما وسطنا البعد بين القبلين فيكون بعد ما قبل بعده فحدث لنا عن القبلات الثلاث أربع مسائل وعن البعدات الثلاث أربع مسائل بالإبدال على التدريج والتوسط كما تقدم تمثيله . وثانيها أن ما في البيت لم يتحدث الشيخ رحمه الله عليها ولا على إعرابها وهل تختلف هذه الفتاوى مع بعض التقادير فيها أم لا ؟ فأقول إن ما يصح فيها ثلاثة أوجه : أن تكون زائدة ، وموصولة ، ونكرة موصوفة ، ولا تختلف الفتاوى مع شيء من ذلك بل تبقى الأحكام على حالها فالزائدة نحو قولنا قبل قبل قبله رمضان فلا يعتد بها أصلا وتبقى الفتاوى كما تقدم والموصولة تقديرها قبل الذي استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في قبل الذي بعد ما هو صلتها والفتاوى على حالها وتقدير النكرة الموصوفة قبل شيء استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في الظرف الكائن بعد ما هو صفة لها وهي نكرة مقدرة بشيء فهذا تقدير ما في البيت وإعرابها .

وثالثها أن هذه القبلات والبعدات ظروف زمان ومظروفاتها الشهور هاهنا ففي كل قبل أو بعد شهر هو المستقر فيه مع أن اللغة تقبل غير هذه المظروفات لأن القاعدة أنا إذا قلنا قبله رمضان احتمل أن يكون شوالا فإن رمضان قبله واحتمل أن يكون يوما واحدا من شوال فإن رمضان قبله فلو قال القائل : رمضان قبل يوم عيد الفطر لصدق ذلك وكان حقيقة لغوية لا مجازا لكن هذه المسائل بنيت على أن المظروف شهر تام بقرينة السياق ولضرورة الضمير في قبله العائد على الشهر المسئول عنه فإذا كان شوالا وهو قد قال قبله رمضان تعذر أن يحمل على بعض الشهر إلا على المجاز فإن بعض الشهر أو يوم الفطر وحده ليس هو شوالا بل بعض شوال فيلزم المجاز لكن الفتاوى في هذا البيت مبنية على الحقيقة هذا تقرير قبله الأخير الذي صحبه الضمير وأما قبل المتوسط فليس معه ضمير يضطرنا إلى ذلك بل علمنا أن مظروفه شهر بالدليل العقلي لأن رمضان إذا كان قبل قبل الشهر المسئول عنه وتعين أن أحد القبلين وهو الذي أضيف إلى الضمير مظروفه شهر تعين أن مظروف القبل المتوسط شهر أيضا لأنه ليس بين شهرين من جميع الشهور أقل من شهر يصدق عليه أنه قبل شهر وبعد شهر بل لا يوجد بين شهرين عربيين إلا شهر فلذلك تعين أن مظروف هذه الظروف شهور تامة وقولي عربيين احتراز من القبطية فإن أيام النسيء تتوسط بين مسرى وتوت ورابعها أن قاعدة العرب أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة كقول أحد حاملي الخشبة مثل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له لأجل الملابسة قاله صاحب المفصل وأنشد في هذا المعنى :

إذا كوكب الخرقاء لاح بسحره

فأضاف الكوكب إليها لأنها كانت تقوم لعملها عند طلوعه ونحو ذلك من الإضافات ومنه قوله تعالى { ولا نكتم [ ص: 66 ] شهادة الله } أضيف الشهادة إليه بسبب أنه تعالى شرعها لا لأنه شاهد ولا مشهود عليه .

وكذلك دين الله ونفخنا فيه من روحنا { ولله على الناس حج البيت } فالإضافة في الجميع مختلفة المعاني وهي حقيقية في الجميع باعتبار معنى عام وهو كما قال صاحب المفصل بأدنى ملابسة إذا تقررت هذه القاعدة فهذه القبلات والبعدات المضاف بعضها إلى بعض تحتمل من حيث اللغة أن يكون كل ظرف أضيف لمجاوره أو لمجاور مجاوره أو لمجاور مجاور مجاوره على رتب ثلاث أو أكثر من ذلك فيكون الشهر الذي قبل رمضان هو ربيع فإن ربيعا قبل رمضان بالضرورة ويومنا هذا قبل يوم القيامة بالضرورة وهو كله حقيقة غير أن الظروف التي في البيت حملت على المجاور الأول لأنه الأسبق إلى الفهم مع أن غيره حقيقة أيضا فهذه الملاحظة لا بد منها في هذه الفتاوى وخامسها أن تعلم أنك إذا قلت قبل ما قبل قبله رمضان فالقبل الأول هو عين رمضان لأنه مستقر في ذلك الظرف وكذلك بعد ما بعد بعده رمضان فالبعد الأول هو رمضان لأنه مستقر فيه ومتى كان القبل الأول هو رمضان فالقبلان الكائنان بعده شهران آخران يتقدمان على الشهر المسئول عنه .

وكذلك في بعد ما بعد بعده رمضان البعدان الأخيران شهران آخران يتأخران عن الشهر المسئول عنه فالرتب دائما في البيت أربع الشهر المسئول عنه وثلاثة ظروف لغيره هذا لا بد منه ثم ها هنا نظر آخر وهو أنا إذا قلنا : قبل ما بعد بعده رمضان فهل نجعل هذه الظروف متجاورة على ما نطق بها في اللفظ فيتعين أن يكون الشهر المسئول عنه هو رمضان فإن كل شيء فرض له أبعاد كثيرة متأخرة عنه فهو قبل جميعها فرمضان قبل بعده وبعد بعده وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد فهو قبل تلك الظروف كلها الموصوفة ببعد وإن كانت غير متناهية وكذلك يصدق أيضا أنه بعد قبله وقبل قبله إلى الأزل وما لا يتناهى من القبلات فيكون رمضان أيضا ويبطل ما قاله الشيخ رضي الله عنه فإنه عين في الأول شوالا وفي الثاني شعبان ومقتضى ما ذكرته لك من النظر أن يكون الشهر المسئول عنه هو رمضان في المسألتين أو نقول مقتضى اللغة خلاف هذا التقرير وأن لا تكون هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ بل قولنا ما بعد بعده فبعد الأولى المتوسطة بين قبل وبعد متأخرة في المعنى وقبل المتقدمة متوسطة بين البعدين منطبقة على بعد الأخيرة .

وتكون بعد الأخيرة بعد وقبل معا وليس ذلك محالا لأنه بالنسبة إلى شهرين واعتبارين وتقرير ذلك أنالعرب إذا قالت : غلام غلام غلامي فهؤلاء الأرقاء منعكسون في المعنى فالغلام الأول المقدم ذكره هو الغلام الأخير الذي ملكه عبد عبد عبدك لا أنه عبدك والغلام الأخير هو عبدك الأول الذي ملكته فملك هو عبدا آخر ملك ذلك العبد الآخر العبد المقدم ذكره وكذلك إذا قلت : صاحب صاحب صاحبي فالمبدوء به هو أبعد الثلاثة عنك والأقرب إليك هو الأخير والمتوسط متوسط هذا هو مفهوم اللغة في هذه الإضافات على هذا الترتيب إذا عرفت هذا فنقول : قولنا قبل ما بعد بعده رمضان هو شعبان وهو كما قال الشيخ رحمه الله لأن شعبان بعده رمضان وبعد بعده شوال فقولنا قبل مجاور لبعده الأخيرة لأنه لم يقل قبل بعده بل قبل بعد بعده فجعل قبل [ ص: 67 ] مضافا في المعنى لبعد ومتأخرا عن بعد وهو البعد الثاني فيكون رمضان قبل البعد الثاني والبعد الثاني هو شوال فالواقع قبله رمضان وليس لنا شهر بعده بعدان رمضان قبل البعد الأخير إلا شعبان فإن قلت فرمضان حينئذ هو قبل البعد الأخير وهو شوال باعتبار البعد الأول كما بينته فيلزم أن يكون قبل وبعد وهو محال لأن القبل والبعد ضدان واجتماع الضدين في الشيء الواحد محال قلت : مسلم أنهما ضدان وأنهما اجتمعا في شيء واحد وهو رمضان ولكن باعتبار إضافتين فيكون رمضان قبل باعتبار شوال وبعد باعتبار شعبان كما يكون المسلم صديقا للمؤمنين عدوا للكافرين فتجتمع فيه الصداقة والعداوة باعتبار فريقين وذلك ممكن وليس بمحال إنما المحال لو اتحدت الإضافة ولم تتحد إذا تقرر لك هذا فتيقن أن لو زدنا في لفظ بعد لفظة أخرى منه فقلنا : قبل ما بعد بعد بعده رمضان تعين أن يكون الشهر المسئول عنه رجبا وإن جعلنا البعدات أربعة تعين أن يكون جمادى الأخيرة أو خمسة تعين أن يكون جمادى الأولى ، أو ستة تعين أن يكون ربيعا الآخر .

وكذلك كلما زدت بعد انتقلت إلى شهر قبل فإن هذه الظروف شهور كما تقدم تقريره فيخرج لك على هذا الضابط مسائل غير متناهية غير المسائل الثمانية التي في البيت وإذا وصلت إلى أكثر من اثني عشر ظرفا فقد دارت السنة معك فربما عدت إلى عين الشهر الذي كنت قلته في المسألة ولكن من سنة أخرى وكذلك يكون الحال في السنين إذا كثرت فتأمل ذلك هذا كله إذا قلنا : قبل ما بعد بعده رمضان فإن عكسنا وقلنا : بعد ما قبل قبله رمضان فمقتضى جعلنا الظروف متجاورة على ما هي عليه في اللفظ يكون الشهر المسئول عنه رمضان فإن كل شيء بعد جميع ما هو قبله وبعد قبلاته وإن كثرت والشيخ رحمه الله قد قال : أنه شوال بناء على ما تقدم وهو أن القبل الأول متقدم على البعد الأول والبعد الأول متوسط مضاف للبعد الأخير المضاف للضمير العائد على الشهر المسئول عنه فنفرض شهرا وهو شوال فقبله رمضان وقبل رمضان شعبان والسائل قد قال : إن رمضان بعد أحد القبلين والقبل الآخر بعده وليس لنا شهر قبله شهران الثاني منهما رمضان إلا شوالا فيتعين ويكون رمضان موصوفا بأنه بعد باعتبار شعبان وبأنه قبل باعتبار شوال ولا تضاد كما تقدم جوابه فإن زدنا في لفظة قبل لفظة أخرى فقلنا : بعد ما قبل قبله رمضان كان الشهر المسئول عنه هو ذو القعدة فإن رمضان أضيف لقبل قبل قبلين وهما شوال وذو القعدة فإن جعلنا لفظ قبل أربعا كان ذا الحجة ، أو خمسا كان المحرم كما تقدم تقريره في لفظ بعد ، غير أنك تنتقل في لفظ بعد تقدما ، وفي لفظ قبل تأخرا ، فإن بعد للاستقبال .

فكلما كثرت كثر الاستقبال ، ورمضان هو مضاف للآخر منه فيتعين بعد الشهر المسئول عنه في الماضي حتى يتأخر رمضان في الاستقبال فيضاف للبعد الأخير وينتقل في لفظ قبل إذا كثر متأخرا لأن قبل للماضي ورمضان مضاف للقبل المجاور له دون الشهر المسئول عنه فيكون للشهر المسئول عنه قبلات كثيرة رمضان بعد الأول منها وبقية القبلات بين رمضان والشهر المسئول عنه فيتعين الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا قلنا بعد ما بعد بعده رمضان يتعين جمادى الآخرة [ ص: 68 ] لأن السائل قد نطق بثلاث بعدات غير الشهر المسئول عنه فرجب البعد الأول وشعبان البعد الثاني ورمضان البعد الثالث والرابع هو الشهر المسئول عنه المتقدم عليها وذلك جمادى الآخرة وإذا قلنا : قبل ما قبل قبله رمضان تعين ذو الحجة لأن السائل قد نطق بثلاث من لفظ قبل فقبل ذي الحجة ذو القعدة وقبل ذي القعدة شوال وقبل شوال رمضان وهو ما قاله السائل وأما قبل ما بعد بعده أو بعد ما قبل قبله فقد تقدم أن كل شيء هو قبل ما هو بعده وبعد ما هو قبله وإذا اتحد العين صار معنى الكلام بعده رمضان أو قبله رمضان فيكون المسئول عنه شعبان في الأول وشوال في الثاني ، وسادسها في تقريب أجوبة المسائل اعلم أن جميع الأجوبة الثانية منحصرة في أربعة أشهر طرفان وواسطة فالطرفان جمادى الأخيرة وذو الحجة والوسط شوال وشعبان ، وتقريب ضبطها أن جميع البيت إن كان قبل فالجواب بذي الحجة ، أو بعد فالجواب جمادى الأخيرة .

أو تركب من قبل وبعد فمتى وجدت في الآخر قبل بعده أو بعد قبله فالشهر مجاور لرمضان ، فإن كل شيء هو قبل بعده وبعد قبله ، فالكلمة الأولى إن كانت حينئذ قبل فهو شوال لأن المعنى قبله رمضان أو بعد فهو شعبان لأن التقدير بعده رمضان هذا إن اجتمع آخر البيت قبل وبعد فإن اجتمع قبلان أو بعدان وقبلهما مخالف لهما ففي البعدين شعبان وفي القبلين شوال ، فشوال ثلاثة وشعبان ثلاثة هذه الستة هي الواسطة المتوسطة بين جمادى وذي الحجة .

( فصل ) هذا تقرير البيت على هذه الطريقة من التزام الحقيقة والوزن ، وأما على خلافهما من التزام المجاز وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا فتصير المسائل والأجوبة سبعمائة وعشرين مسألة ، وتقرير ذلك بتقديم بيت من الشعر مشتمل على أربعين ألف بيت من الشعر وثلاثمائة بيت وعشرين بيتا من الشعر نظمه الفقيه الإمام الفاضل المتقن العلامة زين الدين المغربي ونبه على هذا المعنى فيه ولخص حساب عدده وهو قوله :

بقلبي حبيب مليح ظريف     بديع جميل رشيق لطيف

وهو من بحر المتقارب ثمانية أجزاء كل جزء منها في كلمة يمكن أن ينطق بها مكان صاحبتها فتجعل كل كلمة في ثمانية مواضع من البيت فالكلمتان الأوليان يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير .

ثم تأخذ الثالثة فتحدث منها مع الأوليين ستة أشكال بأن تعملها قبل الأوليين وبعدهما ثم تقلبهما وتعملها قبلهما وبعدهما ثم تعملها بينهما على التقديم والتأخير فتحدث الستة فيكون السر فيه أنا ضربنا الاثنين الأولين في مخرج الثالث واثنان في ثلاثة بستة ثم تأخذ الرابع وتورده على هذه الستة وكل واحد منها ثلاثة فيحصل من كل صورة منها أربعة بأن تعمل الرابع قبل كل ثلاثة وبعد أولها وبعد ثانيها وبعد ثالثها فتصير الستة أربعة وعشرين ، وكذلك تفعل بالخامس والسادس إلى الثامن ، ومتى حدثت صورة أضفنا إليها بقية البيت فتبقى الأولى ثمانية وكذلك بقية الصور فيأتي العدد المذكور من الآلاف بيوتا تامة كل بيت منها ثمانية وبيان ذلك أن تضرب أربعة وعشرين في مخرج الخامس وهو خمسة تكون مائة [ ص: 69 ] وعشرين تضربها في مخرج السادس وهو ستة تكون سبعمائة وعشرين تضربها في مخرج السابع وهو سبعة تكون خمسة آلاف وأربعين تضربها في مخرج الثامن وهو ثمانية تكون أربعين ألفا وثلاثمائة وعشرين بيتا من الشعر وهو المطلوب .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( فصل ) في ثمانية مسائل من الشروط اللغوية فيها مباحث دقيقة وأمور غامضة وإشارات شريفة تتضح بها قاعدة الشروط اللغوية تمام الاتضاح المسألة الأولى أنشد بعض الأفاضل :

ما يقول الفقيه أيده الله ولا زال عنده إحسان     في فتى علق الطلاق بشهر
قبل ما قبل قبله رمضان

والبيت الثاني وإن كان بيتا واحدا إلا أنه من نوادر الأبيات فإنه مع صعوبة معناه ودقة مغزاه إما أن يلتزم فيه صحة الوزن على القانون اللغوي واستعمال ألفاظه في حقائقها دون مجازاتها فيكون مشتملا على ثمانية أبيات في الإنشاد بالتغيير والتقديم والتأخير كل بيت منها يشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية والألفاظ اللغوية وتلك المسألة صعبة المغزى وعرة المرتقى وأما أن يلتزم المجاز في ألفاظه دون الحقائق مع الإعراض عن ضابط الوزن وقانون الشعر بأن يطول البيت نحوا من ضعفه فيكون مشتملا على سبعمائة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية . والتعاليق اللغوية تحصل من هذه الألفاظ الثلاث وتبديلها بأضدادها واستعمالها في مجازاتها وتنقلها في التقديم والتأخير مفترقة ومجتمعة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فاحتاج بيانه إلى مقاصد ( المقصد الأول ) في تقرير البيت على طريقة التزام استعمال ألفاظه في حقائقها مع صحة الوزن على القانون اللغوي وفيه ثلاثة مباحث .

( المبحث الأول ) هذا البيت ثمانية أبيات في التصوير : أحدها أصل وهو اجتماع ثلاث قبلات وسبع تتفرع عنه بأن يبدل الجميع بالبعدات نحو ما بعد بعده وهذه الصورة الثانية أو يبدل من قبل الأخيرة فقط نحو قبل ما قبل بعده وهذه الصورة الثالثة أو يبدل من الثاني والثالث دون الأول نحو قبل ما بعد بعده وهذه الصورة الرابعة أو يبدل من الثاني فقط [ ص: 63 ] دون الأول والثالث نحو قبل ما بعده قبله وهذه الصورة الخامسة أو يبدل من الأول والثاني دون الثالث نحو بعد ما بعد قبله وهذه الصورة السادسة أو يبدل من الأول فقط دون الثاني والثالث نحو بعد ما قبل قبله وهذه الصورة السابعة أو يبدل من الأول والثالث دون الثاني نحو بعد ما قبل بعده .

وهذه الصورة الثامنة المبحث الثاني ينبني تفسير الشهر المراد في جميع هذه الصور الذي أفتى به شيخ القرافي الشيخ أبو عمر ولما سئل عن ذلك بمصر ثم بدمشق على أمور أحدها ما مر من التزام استعمال ألفاظ البيت في حقائقها لا في مجازاتها الثاني أن هذه القبلات والبعدات وإن كانت ظروفا زمانية .

والقاعدة تقتضي أن مظروفها يحتمل أن يكون شهرا تاما وأن يكون يوما واحدا من الشهر المراد إذ يصدق على رمضان بطريق الحقيقة اللغوية لا المجاز اللغوي أنه قبل شوال وأنه قبل يوم عيد الفطر إلا أن المظروف ها هنا شهر تام بقرينة السياق بل ذلك ضروري ها هنا أما بالنسبة لما صحبه الضمير العائد على الشهر المسئول عنه فلأنه إذا كان الشهر شوالا لا يمكن حمل المظروف على بعضه كيوم عيد الفطر وحده إلا على المجاز والتفاسير المفتى بها في صور هذا البيت مبنية على الحقيقة كما علمت وأما بالنسبة لما لم يصحبه ضمير الشهر كقبل المتوسط فلأن رمضان إذا كان قبل قبل الشهر المسئول عنه وتعين أن مظروف أحد القبلين وهو المضاف إلى الضمير شهر تعين أن مظروف القبل المتوسط شهر أيضا لأنه ليس بين شهرين من جميع الشهور أقل من شهر يصدق عليه أنه قبل شهر وبعد شهر بل لا يوجد بين شهرين عربيين إلا شهر فتعين أن مظروف هذه الظروف شهور تامة وأما الأشهر القبطية فإن أيام النسيء تتوسط بين مسرى وتوت . الأمر الثالث أن قاعدة الإضافة عند العرب وإن كانت على أنه يكفي فيها [ ص: 64 ] أدنى ملابسة كقول أحد حاملي الخشبة خذ طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له لأجل الملابسة .

وأضيف الكوكب للخرقاء في قوله ( :

إذا كوكب الخرقاء لاح بسحره

) لأنها كانت تقوم لعملها عند طلوعه واحتملت هذه القبلات والبعدات المضاف بعضها إلى بعض من حيث اللغة أن يكون كل ظرف أضيف لمجاوره أو لمجاور مجاوره أو لمجاور مجاور مجاوره على رتب ثلاث أو أكثر من ذلك فيكون الشهر الذي قبل رمضان هو ربيع فإن ربيعا قبل رمضان على سبيل الحقيقة بالضرورة إلا أن الظروف التي في البيت حملت على المجاور الأول لأنه الأسبق إلى الفهم وإن كان غيره حقيقة أيضا فهذه الملاحظة لا بد منها في تفسير هذا البيت المفتى بها . الأمر الرابع أن تعلم أنك إذا قلت : قبل ما قبل قبله رمضان أو بعد ما بعد بعده رمضان فالقبل الأول والبعد الأول هو رمضان لأنه مستقر في ذلك الظرف ومتى كان القبل الأول والبعد الأول هو رمضان فالقبلان الكائنان بعد ذلك القبل الذي هو رمضان شهران آخران يتقدمان على الشهر المسئول عنه والبعدان الأخيران شهران آخران يتأخران عن الشهر المسئول عنه فالرتب دائما في البيت أربع الشهر المسئول عنه وثلاثة ظروف لغيره هذا لا بد منه . الأمر الخامس أنه وإن احتمل فيما إذا قلنا قبل ما بعد بعده رمضان أو قلنا بعد ما قبل قبله رمضان أن تكون هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ فيتعين أن يكون الشهر المسئول عنه في المسألتين هو رمضان لا أنه في الأولى شوال وفي الثانية شعبان كما في تفاسير صور البيت الآتية المفتى بها وذلك لأن كل شيء فرض له أبعاد كثيرة متأخرة عنه فهو قبل جميعها وكل شيء فرض له قبلات كثيرة متقدمة عنه فهو بعد جميعها فرمضان يصدق عليه أنه قبل بعده وبعد بعده وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد فهو قبل تلك الظروف كلها ويصدق عليه أنه بعد قبله وقبل قبله وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد فهو بعد تلك الظروف كلها .

[ ص: 65 ] لكن باعتبار إضافتين لا إضافة واحدة حتى يقال : اجتماع الضدين في الشيء الواحد محال فهو قبل باعتبار شوال وبعد باعتبار شعبان إلا أن مقتضى اللغة خلاف هذا الاحتمال وهو أن لا تكون هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ بل تكون بعد الأولى المتوسطة بين قبل وبعد في قولنا قبل ما بعد بعده متأخرة في المعنى وقبل المتقدمة متوسطة بين البعدين منطبقة على بعد الأخيرة التي هي الأولى وتكون بعد الأخيرة بعد وقبل معا بالنسبة إلى شهرين واعتبارين كما علمت ويكون الشهر المسئول عنه في قولنا المذكور شعبان كما سيأتي في التفسير المفتى به لأن شعبان بعده رمضان وبعد بعده شوال وقبل مضاف إلى المعنى للبعد الثاني الذي هو شوال ومتأخر عنه وكل من قبل وبعد الأخيرة التي هي الأولى يصدقان على رمضان ومنطبقان عليه بالنسبة للشهرين شوال وشعبان وليس لنا شهر بعده بعد أن رمضان قبل البعد الثاني وعين البعد الأول إلا شعبان وبيان ذلك أن العرب إذا قالت : غلام غلام غلامي أو صاحب صاحب صاحبي فالمبدوء به هو أبعد الثلاثة عنك والأقرب إليك هو الأخير والمتوسط متوسط فالغلام الأخير هو عبدك الأول الذي ملكته فملك هو عبدا آخر وهو المتوسط وملك المتوسط العبد المقدم ذكره فالمقدم ذكره هو الذي ملكه عبد عبد عبدك لا أنه عبدك وقس الأمر السادس مما ينبني عليها تفسير جميع صور البيت المفتى به . قاعدة وهي أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فالغهما لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وقبل ما هو بعده فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان فيكون شعبان أو قبله رمضان فيكون شوال وأما ما جميعه قبل أو جميعه بعد .

فالجواب في الأول هو الرابع الذي هو ذو الحجة لأن معنى قبل ما قبل قبله رمضان شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وفي الثاني هو الرابع أيضا لكن على العكس وهو جمادى الآخرة لأن معنى بعد ما بعد بعده رمضان شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده فجميع الأجوبة الثمانية [ ص: 66 ] منحصرة في أربعة أشهر طرفان وواسطة فالطرفان جمادى الأخيرة وذو الحجة والوسط شوال وشعبان وتقريب ضبطها أن جميع البيت إن كان قبل فالجواب بذي الحجة وإن كان بعد فالجواب بجمادى الأخيرة وإن تركب من قبل وبعد فمتى وجدت في الآخر قبل بعده أو بعد قبله فما تقدمت فيه قبل فجوابه شوال لأن المعنى قبله رمضان وما تقدمت فيه بعد فالجواب شعبان لأن التقدير بعده رمضان ومتى وجدت في آخر قبلين أو بعدين وقبلهما مخالفا لهما ففي البعدين شعبان وفي القبلين شوال فشوال ثلاثة وشعبان ثلاثة وهذه الستة هي الواسطة المتوسطة بين جمادى الأخيرة وذي الحجة .

( المبحث الثالث ) لفظة ما في البيت يصح فيها ثلاثة أوجه : أحدها أن تكون زائدة فلا يعتد بها بل يكون التقدير قبل قبل قبله رمضان مثلا . وثانيها أن تكون موصولة والتقدير قبل الذي استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في قبل الذي بعد ما هو صلتها .

وثالثها أن تكون نكرة موصوفة والتقدير قبل شيء استقر قبل قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في الظرف الكائن بعد ما المقدرة بشيء هو صفة لها ولا تختلف التفاسير المفتى بها المذكورة مع شيء من ذلك بل تبقى الأحكام على حالها المقصد الثاني في تقرير البيت على طريقة التزام الحقيقة في الألفاظ وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا اعلم أن الكلام حينئذ يجري على الضابط المتقدم أيضا فإذا زدنا على قولنا قبل ما بعد بعده في لفظ بعد لفظة أخرى منه فقلنا : قبل ما بعد بعد بعده رمضان تعين أن يكون الشهر المسئول عنه رجبا وإن جعلنا البعدات أربعة تعين أن يكون جمادى الأخيرة أو خمسة تعين أن يكون جمادى الأولى أو ستة تعين أن يكون ربيعا الآخر وهكذا كلما زدت بعد انتقلت إلى شهر قبل فإن هذه الظروف شهور كما تقدم تقريره فيخرج لك على هذا الضابط مسائل غير متناهية غير المسائل الثمانية التي في البيت وإذا وصلت إلى أكثر من اثني عشر ظرفا فقد دارت السنة معك فربما عدت .

[ ص: 67 ] إلى عين الشهر الذي كنت قلته في المسألة ولكن من سنة أخرى وهكذا يكون الحال في السنين إذا كثرت فتأمل ذلك وإذا زدنا على قولنا بعد ما قبل قبله في لفظ قبل لفظة أخرى فقلنا بعد ما قبل قبل قبله رمضان كان الشهر المسئول عنه هو ذو القعدة فإن رمضان أضيف لقبل قبل قبلين وهما شوال وذو القعدة .

وإن جعلنا لفظ قبل أربعا كان ذا الحجة أو خمسا كان المحرم كما تقدم تقريره في لفظ بعد غير أنك تنتقل في لفظ بعد تقدما وفي لفظ قبل تأخرا فإن بعد للاستقبال فكلما كثرت كثر الاستقبال ورمضان مضاف للآخر منه فيتعين بعد الشهر المسئول عنه في الماضي حتى يتأخر رمضان في الاستقبال فيضاف للبعد الأخير وينتقل في لفظ قبل إذا كثر متأخرا لأن قبل للماضي ورمضان مضاف للقبل المجاور له دون الشهر المسئول عنه فيكون للشهر المسئول عنه قبلات كثيرة رمضان بعد الأول فيها وبقية القبلات بين رمضان والشهر المسئول عنه فيتعين الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا زدنا لفظة قبل على قولنا قبل ما قبل قبله فقلنا : قبل ما قبل قبل قبله رمضان تعين المحرم لأن السائل قد نطق بأربع من لفظ قبل فقبل المحرم ذو الحجة وقبل ذي الحجة ذو القعدة وقبل ذي القعدة شوال وقبل شوال رمضان وهو ما قاله السائل وهكذا يتعين الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا زدنا لفظة بعد على قولنا بعد ما بعد بعده فقلنا : بعد ما بعد بعد بعده رمضان تعين جمادى الأولى لأن السائل قد نطق بأربع من لفظ بعد فبعد جمادى الأولى جمادى الأخيرة وبعد جمادى الأخيرة رجب وبعد رجب شعبان وبعد شعبان رمضان وهو ما قاله السائل وهكذا يتعين الانتقال للماضي بحسب كثرة لفظات بعد وبالقياس على ما ذكر يعلم حكم باقي الصور والله أعلم .

( المقصد الثالث ) في تقرير البيت على طريقة التزام المجاز في ألفاظه وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا فتصير المسائل والأجوبة سبعمائة وعشرين مسألة وتقرير ذلك بتقديم الكلام على أربعين ألفا وثلثمائة .

[ ص: 68 ] وعشرين بيتا من الشعر اشتمل عليها بيت نظمه الفقيه العلامة زين الدين المغربي ولخص حساب عدده وهو قوله :

بقلبي حبيب مليح ظريف     بديع جميل رشيق لطيف

وهو من بحر المتقارب ثمانية أجزاء على فعيل كل جزء منها في كلمة يمكن أن ينطق بها مكان صاحبتها فتجعل كل كلمة في ثمانية مواضع من البيت فالكلمتان الأوليان يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير ثم تأخذ الثالثة فتحدث منها مع الأولين ستة أشكال بأن تعملها قبل الأولين وبعدهما ثم تقلبهما وتعملها قبلهما وبعدهما ثم تعملها بينهما على التقديم والتأخير فتحدث الستة فيكون السر فيه ضربنا الأولين في مخرج الثالث واثنان في ثلاثة بستة ثم تأخذ الرابع وتورده على هذه الستة الصور وكل واحد من الستة له ثلاث كلمات يحصل بعمل الرابع قبل كل ثلاثة وبعد أولها وبعد ثانيها وبعد ثالثها أربع صور فتصير الستة أربعة وعشرين وكذلك تفعل بالخامس والسادس والسابع والثامن ومتى حدثت صورة أضفنا إليها بقية البيت فتبقى الأولى ثمانية وكذلك بقية الصور فيأتي العدد المذكور من الآلاف بيوتا تامة كل بيت فيها ثمانية وبيان ذلك أن تضرب أربعة وعشرين في مخرج الخامس وهو خمسة تكون مائة وعشرين تضربها في مخرج السادس وهو ستة تكون سبعمائة وعشرين تضربها في مخرج السابع وهو سبعة تكون خمسة آلاف وأربعين تضربها في مخرج الثامن وهو ثمانية تكون أربعين ألفا وثلاثمائة وعشرين بيتا من الشعر وهو المطلوب فإذا تقررت هذه الطريقة من الحساب والضرب فنقول معنا في البيت ثلاثة من لفظ قبل وثلاثة من لفظ بعد فنجمع بين الستة ويبطل الوزن حينئذ لطول البيت ولعدم صورة الشعر فنقول قبل ما قبل قبله بعد ما بعد بعده رمضان ثم لنا أن ننوي بكل قبل وبكل بعد شهرا من شهور السنة أي شهر كان من غير مجاورة ولا التفات إلى ما بينهما من عدد الشهور .

[ ص: 69 ] ويكون الكلام مجازا عربيا فإن أي شهر أخذته فبينه وبين الشهر الآخر الذي نسبته إليه بالقبلية أو البعدية علاقة من جهة أنه من شهور السنة معه أو هو قبله من حيث الجملة أو هو بعده من حيث الجملة أو هو شبيه بما قبله من جهة أنه شهر وغير ذلك من العلاقات المصححة للمجاز ثم إنا نعمد إلى هذه الستة فنأخذ منها اثنين فتحدث منها صورتان ونعتبرهما شهرين من شهور السنة فتظهر نسبتهما إلى رمضان ويظهر من ذلك الشهر المسئول عنه ثم نورد عليهما لفظة أخرى من لفظ قبل وبعد إلى آخر السنة ومتى أفضى الأمر إلى التداخل بين صورتين في شهر نوينا به شهرا آخر من شهور السنة حتى تحصل المغايرة فيحصل لنا من هذه الستة الألفاظ ما يحصل لنا من ستة أجزاء من البيت وهي سبعمائة وعشرون مسألة وإن زدت في لفظ القبل أو البعد كما تقدم في المقصد الثاني وصل الكلام إلى أربعين ألف مسألة أو أكثر على حسب الزيادة فتأمل ذلك فهو من طرف الفضائل والفضلاء ونوادر الأذكياء والنبهاء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث