الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الرابع عشر لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 311 ] الحديث الرابع عشر

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم .

التالي السابق


هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، وفي رواية لمسلم : " التارك للإسلام " بدل قوله : " لدينه " وفي هذا المعنى أحاديث متعددة : فخرج مسلم من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن مسعود .

وخرج الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس . وفي رواية للنسائي : " رجل زنى بعد [ ص: 312 ] إحصانه ، فعليه الرجم ، أو قتل عمدا ، فعليه القود ، أو ارتد بعد إسلامه ، فعليه القتل " .

وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك وغيرهم ، وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم ، وفيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين .

فأما زنا الثيب ، فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت ، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية ، وكان في القرآن الذي نسخ لفظه : " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " .

وقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى : ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ( المائدة : 15 ) ، قال : فمن كفر بالرجم ، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، [ ص: 313 ] ثم تلا هذه الآية وقال : كان الرجم مما أخفوا . أخرجه النسائي ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .

ويستنبط أيضا من قوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا إلى قوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله [ المائدة : 44 - 49 ] وقال الزهري : بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني أحكم بما في التوارة " وأمر بهما فرجما .

وخرج مسلم في " صحيحه " من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين ، وقال في حديثه : فأنزل الله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر [ المائدة : 41 ] وأنزل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] في الكفار كلها .

وخرجه الإمام أحمد وعنده : فأنزل الله : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله : إن أوتيتم هذا فخذوه [ المائدة : 41 ] يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد ، فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] قال : في اليهود .

وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين ، وفي حديثه قال : فأنزل الله :

[ ص: 314 ] فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إلى قوله : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط [ المائدة : 42 ] .

وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ، ثم جعل الله لهن سبيلا ، ففي " صحيح مسلم " عن عبادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .

وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء ، وأوجبوا جلد الثيب مائة ، ثم رجمه كما فعل علي بشراحة الهمدانية ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . يشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر ، وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضا ، [ ص: 315 ] وهذا القول هو المشهور ، عن الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق ، وهو قول الحسن وطائفة من السلف .

وقالت طائفة منهم : إن كان الثيبان شيخين رجما وجلدا ، وإن كانا شابين ، رجما بغير جلد ، لأن ذنب الشيخ أقبح ، لا سيما بالزنا ، وهذا قول أبي بن كعب ، وروي عنه مرفوعا ، ولا يصح رفعه ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث