الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله عز ذكره ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم )

اختلف أهل التأويل فيم نزلت هذه الآية .

فقال بعضهم : نزلت [ في الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم ، وكرهوا أن يخالطوهم في مأكل أو في غيره ، وذلك حين نزلت ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) [ سورة الأنعام : 152 ] ، وقوله : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) [ سورة النساء : 10 ] .

ذكر من قال ذلك ] :

4182 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يحيى بن آدم عن إسرائيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) [ سورة الأنعام : 152 ، والإسراء : 34 ] عزلوا أموال اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : " وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم " ، فخالطوهم . [ ص: 350 ]

4183 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ، و ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [ سورة النساء : 10 ] ، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد . فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم .

4184 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام عن عمرو عن عطاء عن سعيد قال : لما نزلت : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ، قال : كنا نصنع لليتيم طعاما فيفضل منه الشيء ، فيتركونه حتى يفسد ، فأنزل الله : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " .

4185 - حدثنا يحيى بن داود الوسطي قال : حدثنا أبو أسامة عن ابن أبي ليلى عن الحكم قال : سئل عبد الرحمن بن أبي ليلى عن مال اليتيم فقال : لما نزلت : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ، اجتنبت مخالطتهم ، واتقوا كل شيء ، حتى اتقوا الماء ، فلما نزلت " وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، قال : فخالطوهم .

4186 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : " ويسألونك عن اليتامى " الآية كلها ، قال : كان الله أنزل قبل ذلك في [ ص: 351 ] " سورة بني إسرائيل " ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ، فكبرت عليهم ، فكانوا لا يخالطونهم في مأكل ولا في غيره ، فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل الله الرخصة فقال : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " .

4187 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة قال : لما نزلت : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) ، اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا مال ، قال : فشق ذلك على الناس ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم " .

4188 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم " الآية ، قال : فذكر لنا - والله أعلم - أنه أنزل في " بني إسرائيل " : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) فكبرت عليهم ، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك . فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل الله الرخصة فقال : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، يقول : مخالطتهم في ركوب الدابة وشرب اللبن وخدمة الخادم . يقول : الولي الذي يلي أمرهم ، فلا بأس عليه أن يركب الدابة أو يشرب اللبن أو يخدمه الخادم .

وقال آخرون في ذلك بما : -

4189 - حدثني عمرو بن علي قال : حدثنا عمران بن عيينة قال : حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم " الآية ، قال : كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه وآنيته ، فشق ذلك على المسلمين ، فأنزل [ ص: 352 ] الله : " وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " ، فأحل خلطتهم .

4190 - حدثني أبو السائب قال : حدثنا حفص بن غياث قال : حدثنا أشعث عن الشعبي قال : لما نزلت هذه الآية : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " ، قال : فاجتنب الناس الأيتام ، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه ، وماله من ماله ، وشرابه من شرابه . قال : فاشتد ذلك على الناس ، فنزلت : " وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " . قال الشعبي : فمن خالط يتيما فليتوسع عليه ، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل .

4191 - حدثني علي بن داود قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس : قوله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " ، وذلك أن الله لما أنزل : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " ، كره المسلمون أن يضموا اليتامى ، وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : " قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم " .

4192 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج قال : سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، قال : لما نزلت " سورة النساء " ، عزل الناس طعامهم فلم يخالطوهم . قال : ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا يشق علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا ! فنزلت : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " قال ابن جريج وقال مجاهد : عزلوا طعامهم عن طعامهم وألبانهم عن ألبانهم وأدمهم عن أدمهم ، فشق ذلك عليهم ، فنزلت : " وإن تخالطوهم فإخوانكم [ ص: 353 ] " قال : مخالطة اليتيم في المراعي والأدم قال ابن جريج وقال ابن عباس : الألبان وخدمة الخادم وركوب الدابة قال ابن جريج : وفي المساكن ، قال : والمساكن يومئذ عزيزة .

4193 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال : أخبرنا أبو كدينة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " و" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " ، قال : اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه ، حتى كان يفسد ، إن كان لحما أو غيره . فشق ذلك على الناس ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير "

4194 - حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن قيس بن سعد أو عيسى عن قيس بن سعد شك أبو عاصم - عن مجاهد : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، قال : مخالطة اليتيم في الرعي والأدم .

وقال آخرون : بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب ، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم ، فأفتوا بما بينه الله في كتابه .

ذكر من قال ذلك :

4195 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط عن السدي : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح " ، قال : كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة ، ولا يركبوا له بعيرا ، ولا يستخدموا له خادما [ ص: 354 ] فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه ، فقال : " قل إصلاح لهم خير " ، يصلح له ماله وأمره له خير ، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويركب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه ، فهو أجود " والله يعلم المفسد من المصلح " .

4196 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه عن ابن عباس قوله : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " إلى " إن الله عزيز حكيم " ، وإن الناس كانوا إذا كان في حجر أحدهم اليتيم جعل طعامه على ناحية ، ولبنه على ناحية ، مخافة الوزر ، وإنه أصاب المؤمنين الجهد ، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدما لليتامى ، فقال الله : " قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم " إلى آخر الآية .

4197 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " ويسألونك عن اليتامى " كانوا في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم ، فلا يمسون من أموالهم شيئا ، ولا يركبون لهم دابة ، ولا يطعمون لهم طعاما . فأصابهم في الإسلام جهد شديد ، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى ، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شأن اليتامى وعن مخالطتهم ، فأنزل الله : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " يعني " بالمخالطة " ركوب الدابة ، وخدمة الخادم ، وشرب اللبن .

قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذا : ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى ، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة ، فقل لهم : تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم - من غير مرزئة شيء من أموالهم ، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم - خير لكم عند الله وأعظم [ ص: 355 ] لكم أجرا ، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم ، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم " وإن تخالطوهم " فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم ، فتضموا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم ، فهم إخوانكم ، والإخوان يعين بعضهم بعضا ، ويكنف بعضهم بعضا ، فذو المال يعين ذا الفاقة ، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف . يقول تعالى ذكره : فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك ، إن خالطتموهم بأموالكم فخلطتم طعامكم بطعامهم ، وشرابكم بشرابهم ، وسائر أموالكم بأموالهم ، فأصبتم من أموالهم فضل مرفق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم ، ومعاناة أسبابهم ، على النظر منكم لهم نظر الأخ الشفيق لأخيه ، العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه فذلك لكم حلال ، لأنكم إخوان بعضكم لبعض ، كما : -

4198 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " ، قال : قد يخالط الرجل أخاه .

4199 - حدثني أحمد بن حازم قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان عن أبي مسكين عن إبراهيم قال : إني لأكره أن يكون مال اليتيم كالعرة .

4200 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن حماد عن إبراهيم عن عائشة قالت : إنى لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عرة ، حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي . [ ص: 356 ]

قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قال : " فإخوانكم " ، فرفع " الإخوان " ؟ وقال في موضع آخر : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) [ سورة البقرة : 239 ]

قيل : لافتراق معنييهما . وذلك أن أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين ، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم . فمعنى الكلام : وإن تخالطوهم فهم إخوانكم . و" الإخوان " مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره ، وهو " هم " لدلالة الكلام عليه وأنه لم يرد " بالإخوان " الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانا من أجل مخالطة ولاتهم إياهم . ولو كان ذلك المراد ، لكانت القراءة نصبا ، وكان معناه حينئذ : وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم ، ولكنه قرئ رفعا لما وصفت من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم ، خالطوهم أو لم يخالطوهم .

وأما قوله : ( فرجالا أو ركبانا ) ، فنصب ، لأنهما حالان للفعل ، غير دائمين ، ولا يصلح معهما " هو " . وذلك أنك لو أظهرت " هو " معهما لاستحال الكلام . ألا ترى أنه لو قال قائل : " إن خفت من عدوك أن تصلي قائما فهو راجل أو راكب " ، لبطل المعنى المراد بالكلام ؟ وذلك أن تأويل الكلام : فإن خفتم أن تصلوا قياما من عدوكم ، فصلوا رجالا أو ركبانا . ولذلك نصبه إجراء على ما قبله من الكلام ، كما تقول في نحوه من الكلام : " إن لبست ثيابا فالبياض " فتنصبه ، لأنك تريد : إن لبست ثيابا فالبس البياض - ولست تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض . ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت : " إن لبست ثيابا فالبياض " رفعا ، إذا كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس ، أن كل ما يلبس من الثياب فبياض . لأنك تريد حينئذ : إن لبست ثيابا فهي بياض . [ ص: 357 ]

فإن قال : فهل يجوز النصب في قوله : " فإخوانكم " .

قيل : جائز في العربية . فأما في القراءة ، فإنما منعناه لإجماع القرأة على رفعه . وأما في العربية ، فإنما أجزناه ، لأنه يحسن معه تكرير ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما : وإن تخالطوهم ، فإخوانكم تخالطون - فيكون ذلك جائزا في كلام العرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث