الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( تنبيه )

يقرب من هذا التهكم ، وهو إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال ، كقوله تعالى : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) ( الدخان : 49 ) .

وجعل بعضهم منه قوله تعالى : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) ( الرعد : 11 ) مع العلم بأنه لا يحفظ من أمر الله شيء .

التأدب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله .

وإن كان الكل بيده كقوله تعالى : ( أنعمت عليهم ) ( الفاتحة : 7 ) ثم قال : ( غير المغضوب عليهم ) ( الفاتحة : 7 ) ولم يقل : غير الذين غضبت عليهم .

وقوله : ( بيدك الخير ) ( آل عمران : 26 ) ولم يقل : وبيدك الشر ، [ ص: 53 ] وإن كانا جميعا بيده لكن الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة ورضا ، والشر لا يضاف إليه إلا إلى مفعولاته ، لأنه لا يضاف إلى صفاته ولا أفعاله بل كلها كما لا نقص فيه . وهذا معنى قوله : والشر ليس إليك وهو أولى من تفسير من فسره لا يتقرب به إليك .

وتأمل قوله ( فصرف عنه كيدهن ) ( يوسف : 34 ) فأضافه إلى نفسه حيث صرفه ، ولما ذكر السجن أضافه إليهم ، فقال : ( ليسجننه حتى حين ) ( يوسف : 35 ) وإن كان سبحانه هو الذي سبب السجن له ، وأضاف ما منه الرحمة إليه ، وما منه الشدة إليهم .

ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : وإذا ( مرضت فهو يشفين ) ( الشعراء : 80 ) ولم يقل : أمرضني .

وتأمل جواب الخضر عليه السلام عما فعله حيث قال في إعابة السفينة : ( فأردت ) ( الكهف : 79 ) وقال في الغلام : ( فأردنا ) ( الكهف : 81 ) وفي إقامة الجدار ( فأراد ربك ) ( الكهف : 82 ) .

قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في كتاب " فك الأزرار عن عنق الأسرار " لما أراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه أدبا مع الربوبية ، فقال : " فأردت " . ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود ، والمذموم ، استتبع نفسه مع الحق ، فقال في الإخبار بنون الاستتباع ، ليكون المحمود من الفعل وهو راحة أبويه المؤمنين من كفره ، عائدا على [ ص: 54 ] الحق سبحانه ، والمذموم ظاهرا - وهو قتل الغلام بغير حق - عائدا عليه . وفي إقامة الجدار كان خيرا محضا ، فنسبه للحق ، فقال : ( فأراد ربك ) ثم بين أن الجميع من حيث العلم التوحيدي من الحق بقوله : ( وما فعلته عن أمري ) ( الكهف : 82 ) .

وقال ابن عطية : إنما أفرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب ، وتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله : ( وإذا مرضت فهو يشفين ) ( الشعراء : 80 ) فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله ، وأسند المرض إلى نفسه ، إذ هو معنى نقص ومعابة ، وليس من جنس النعم المتقدمة .

وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا ، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ( الصف : 5 ) وتقديم فعل الله في قوله تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) ( التوبة : 18 ) وإنما قال الخضر في الثانية : ( فأردنا ) لأنه قد أراده الله وأصحابه الصالحون ، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين ، وتمنى التبديل لهما ، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل غيب من الغيوب ، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى .

ومثله قول مؤمني الجن : ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) ( الجن : 10 ) فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله ، وأضافوا إرادة الرشد إليه .

وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام ، في خطابه لما اجتمع أبوه وإخوته : ( إذ أخرجني من السجن ) ( يوسف : 100 ) ولم يقل : من الجب مع أن الخروج منه أعظم من الخروج من السجن .

وإنما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطية :

أحدهما : أن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته ، وتقريعهم بذلك ، وتقليع نفوسهم ، وتجديد تلك الغوائل ، وتخييب النفوس . والثاني : أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك ، والنعمة هنا أوضح انتهى .

[ ص: 55 ] وأيضا ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة أوجه : قصر المدة في الجب وطولها في السجن ، وأن الجب كان في حال صغره ، ولا يعقل فيها المصيبة ، ولا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر ، والثالث أن أمر الجب كان بغيا وظلما لأجل الحسد ، وأمر السجن كان لعقوبة أمر ديني هو منزه عنه ، وكان أمكن في نفسه ، والله أعلم بمراده .

ومثله قوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ( البقرة : 187 ) وقال : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) ( النساء : 24 ) فحذف الفاعل عند ذكر الرفث وهو الجماع ، وصرح به عند إحلال العقد .

وقال تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) ( المائدة : 3 ) فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور . وقال : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) ( الأنعام : 151 ) .

وقال : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) ( البقرة : 275 ) ونظائر ذلك كثيرة في القرآن .

وقال السهيلي : في كتاب " الإعلام " في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : ( وناديناه من جانب الطور الأيمن ) ( مريم : 52 ) وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) ( القصص : 44 ) والمكان المشار إليه واحد قال : ووجه الفرق بين الخطابين أن الأيمن إما مشتق من اليمن ، وهو البركة أو مشارك له في المادة ، فلما حكاه عن موسى في سياق الإثبات أتى بلفظه ، ولما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم في سياق النفي عدل إلى لفظ الغربي لئلا يخاطبه ، فيسلب عنه فيه لفظا مشتقا من اليمن ، أو مشاركا في المادة رفقا بهم في الخطاب ، وإكراما لهما . هذا حاصل ما ذكره بمعناه موضحا .

وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب .

[ ص: 56 ] وقال أيضا في الكتاب المذكور في قوله تعالى : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا ) ( الأنبياء : 87 ) الآية ، أضافه هنا إلى النون وهو الحوت ، وقال في سورة القلم : ( ولا تكن كصاحب الحوت ) ( القلم : 42 ) وسماه هنا ذا النون ، والمعنى واحد ، ولكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الإشارة إلى الحالين ، وتنزيل الكلام في الموضعين ، فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال : ( ذا النون ) ولم يقل : " صاحب الحوت " . والإضافة بـ ( ذو ) أشرف من الإضافة " بصاحب " ، ثم أضافه إلى النون ، وهو الحوت ، ولفظ النون أشرف لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء في أوائل السور ، نحو : ( ن والقلم ) ، وليس في اللفظ الآخر ما يشرفه . فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما أشرت إليه في هذا ، فإن التدبر لإعجاز القرآن واجب مفترض .

وقال الشيخ أبو محمد المرجاني في قوله تعالى : ( سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) ( النمل : 27 ) خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة ، ولم يقدم الكذب ، لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لا يعدل عنه ، ومتى كان يحتمل ويحتمل ، قدم الصدق ، ثم لم يواجهه بالكذب ، بل أدمجه في جملة الكذابين أدبا في الخطاب .

قلت : ومثله ( إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ) ( يوسف : 26 - 27 ) . وكذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون : ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) ( غافر : 28 ) . وهذان المثالان من باب إرخاء العنان للخصم ليدخل في المقصود بألطف موعود

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث