الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم .

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .

كتاب الشركة .

والنظر في الشركة : في أنواعها ، وفي أركانها الموجبة للصحة في الأحكام ، ونحن نذكر من هذه الأبواب ما اتفقوا عليه ، وما اشتهر الخلاف فيه بينهم على ما قصدناه في هذا الكتاب .

والشركة بالجملة عند فقهاء الأمصار على أربعة أنواع : شركة العنان ، وشركة الأبدان ، وشركة [ ص: 600 ] المفاوضة ، وشركة الوجوه . واحدة منها متفق عليها ، وهي شركة العنان ، وإن كان بعضهم لم يعرف هذا اللفظ ، وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها على ما سيأتي بعد . والثلاثة مختلف فيها ، ومختلف في بعض شروطها عند من اتفق منهم عليها .

القول في شركة العنان .

وأركان هذه الشركة ثلاثة :

الأول : محلها من الأموال .

والثاني : في معرفة قدر الربح من قدر المال المشترك فيه .

والثالث : في معرفة قدر العمل من الشريكين من قدر المال .

الركن الأول .

[ محلها من الأموال ] .

فأما محل الشركة : فمنه ما اتفقوا عليه ، ومنه ما اختلفوا فيه . فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين ( أعني : الدنانير ، والدراهم ) ، وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة ، ومن شرط البيع في الذهب وفي الدراهم المناجزة ، لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة .

وكذلك اتفقوا فيما أعلم على الشركة بالعرضين يكونان بصفة واحدة ، واختلفوا في الشركة بالعرضين المختلفين وبالعيون المختلفة ، مثل الشركة بالدنانير من أحدها والدراهم من الآخر ، وبالطعام الربوي إذا كان صنفا واحدا ، فهاهنا ثلاث مسائل :

المسألة الأولى .

[ الشركة في صنفين مختلفين ] .

فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض ، أو في عروض ودراهم ودنانير ، فأجاز ذلك ابن القاسم ، وهو مذهب مالك ، وقد قيل عنه إنه كره ذلك .

وسبب الكراهية : اجتماع الشركة فيها والبيع ، وذلك أن يكون العرضان مختلفين ، كأن كل واحد منهما باع جزءا من عرضه بجزء من العرض الآخر .

ومالك يعتبر في العروض إذا وقعت فيها الشركة القيم . والشافعي يقول : لا تنعقد الشركة إلا على أثمان العروض . وحكى أبو حامد أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض لا تجوز إلا بالدراهم ، والدنانير ، قال : والقياس أن الإشاعة فيها تقوم مقام الخلط .

المسألة الثانية .

[ الشركة في صنفين ربويين ] .

وأما إن كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما ، والدراهم من عند الآخر ، أو بالطعامين المختلفين ، فاختلف في ذلك قول مالك ، فأجازه مرة ، ومنعه مرة . وذلك لما يدخل [ ص: 601 ] الشركة بالدراهم من عند أحدهما ، والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف معا ، وعدم التناجز ، ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة ، وعدم التناجز; وبالمنع قال ابن القاسم ، ومن لم يعتبر هذه العلل أجازها .

المسألة الثالثة .

[ الشركة في صنف واحد ربوي ] .

وأما الشركة بالطعام من صنف واحد : فأجازها ابن القاسم قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب ، أو الفضة ، ومنعها مالك في أحد قوليه - وهو المشهور - بعدم المناجزة الذي يدخل فيه; إذ رأى أن الأصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالإجماع .

وقد قيل : إن وجه كراهية مالك لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة ، والبيع يفتقر إلى الاستواء في الكيل ، فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة ، والكيل ، وذلك لا يكاد يوجد ، فكره مالك ذلك ، فهذا هو استواء القيمة ، والكيل ، وذلك لا يكاد يوجد ، فكره مالك ذلك ، فهذا هو اختلافهم في جنس محل الشركة .

واختلفوا هل من شرط مال الشركة أن يختلطا إما حسا ، وإما حكما ، مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما مطلقة عليهما .

وقال الشافعي : لا تصح الشركة حتى يخلطا ماليهما خلطا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر . وقال أبو حنيفة : تصح الشركة ، وإن كان مال كل واحد منهما بيده .

فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول . ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال; والشافعي اشترط إلى هذين الاختلاط .

والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم; لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه ، فهذا هو القول في هذا الركن وفي شروطه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث