الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى .

، ونحن الآن نعد آفات اللسان ونبتدئ بأخفها ، ونترقى إلى الأغلظ قليلا ، ونؤخر الكلام في الغيبة والنميمة والكذب ؛ فإن النظر فيها أطول وهي عشرون آفة ، فاعلم ذلك ترشد بعون الله تعالى .

الآفة الأولى : الكلام فيما لا يعنيك .

اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات التي ذكرناها من الغيبة والنميمة والكذب ، والمراء والجدال وغيرها ، وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه ولا على مسلم أصلا إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ، ولا حاجة بك إليه ، فإنك مضيع به زمانك ومحاسب على عمل لسانك وتستبدل ، الذي هو أدنى بالذي هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلام إلى الفكر ربما كان ينفتح لك من نفحات رحمة الله عند الفكر ما يعظم جدواه ولو هللت الله سبحانه وذكرته وسبحته لكان خيرا لك فكم من كلمة يبنى بها قصرا في الجنة ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز فأخذ مكانه مدرة لا ينتفع بها ، كان خاسرا خسرانا مبينا ، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه ؛ فإنه وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى ، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره إلا عبرة ونطقه ، إلا ذكرا ، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم .

بل رأس مال العبد أوقاته ، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ، ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة فقد ، ضيع رأس ماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .

التالي السابق


(وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك، ونحن الآن نعد آفات اللسان ونبتدئ بأخفها، ونترقى إلى الأغلظ) منها (قليلا قليلا، ونؤخر الكلام في الغيبة والكذب والنميمة؛ فإن النظر فيها أطول) ، والكلام فيها أكثر، (وهي عشرون آفة، فاعلم ذلك ترشد بعون الله تعالى) وحسن توفيقه .

(الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنيك )

أي: لا يهمك (اعلم) وفقك الله تعالى (أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات التي ذكرناها من الغيبة والنميمة والكذب، والمراء والجدال، وغيره، وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه) ، ولا تخشى عاقبته، (ولا) ضرر فيه (على مسلم أصلا) ، لا حالا ولا مآلا، (إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه، ولا حاجة بك إليه، فإنك مضيع به زمانك ومحاسب على عمل لسانك، ومستبدل الذي هو أدنى) أي: أخس وأحقر (بالذي هو خير) وأنفع; (لأنك لو صرفت زمان الكلام إلى الفكر) أي: إلى استعماله فيما هو بصدده، (ربما كان ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى) ، ومن رشحات كرمه (عند) ذلك، (الفكر ما يعظم جدواه) أي: فائدته، (ولو هللت الله سبحانه وذكرته وسبحته) ، وقدسته وكبرته، (لكان خيرا لك) .

أخرج ابن أبي الدنيا في الصمت من طريق بكر بن ماعز قال: كان الربيع بن خيثم يقول: لا خير في الكلام إلا في تسع; تهليل وتكبير وتسبيح وتحميد، وسؤالك عن الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن ، (فكم من كلمة) يتكلم بها (يبنى له بها قصر في الجنة) ، كما وردت بذلك الأخبار، ويغرس له غرس في الجنة، (ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز فأخذ مكانه مدرة) ، أو خزفة (لا ينتفع بها، كان خاسرا خسرانا بينا، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه؛ فإنه وإن لم يأثم) لكون ما اشتغل به مما أبيح له، (فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا و) لا يكون (نظره إلا عبرة، و) لا يكون (نطقه إلا ذكرا، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم) قال العراقي : لم أجد له أصلا .

وروى محمد بن زكريا الغلابي ، أحد الضعفاء، عن ابن عباية عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله [ ص: 460 ] أمرني أن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة" . (بل رأس مال العبد أوقاته، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه، ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة، قد ضيع رأس ماله) ، وخسر خسرانا مبينا، (ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . رواه أحمد وأبو يعلى والترمذي ، وقال: غريب، وابن ماجه والبيهقي من طريق الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ورواه ابن أبي الدنيا من طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، ورواه أحمد والعسكري في الأمثال، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، وابن عبد البر عن علي بن الحسين ، عن أبيه به مرفوعا، ورواه مالك والنسائي وابن أبي الدنيا ، والبيهقي من طريق الزهري ، عن علي بن الحسين مرسلا، ورواه ابن عساكر عن علي بن الحسين عن الحارث بن هشام به مرفوعا، ورواه العسكري عن علي بن الحسين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب به مرفوعا، ورواه الشيرازي في الألقاب من حديث أبي ذر ، ورواه الحاكم في الكنى من حديث أبي بكر ، ورواه الطبراني في الكبير من حديث زيد بن ثابت ، وفي الباب عن جماعة، وقال الدارقطني في العلل: يرويه الأوزاعي ، واختلف عنه، فرواه محمد بن شعيب والوليد بن يزيد ، وعمارة بن بشر ، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة ، وبشر بن بكر ، كلهم عن الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن ، عن الأوزاعي عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وخالفهم عمرو بن عبد الواحد وبقية بن الوليد ، وأبو المغيرة ، فرووه عن الأوزاعي عن الزهري ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، ولم يذكروا فيه قرة ، ورواه بشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي عن الزهري ، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، قاله موسى بن هارون ، وهو ثقة، حدث عنه محمد بن يحيى وغيره عن مبشر .

وروى عن إسماعيل بن عياش ، ومحمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ورواه عبد الله بن بديل عن الزهري ، عن سالم عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمحفوظ حديث أبي هريرة ، وحديث علي بن الحسين مرسلا، وكذلك هو في الموطأ، ورواه خالد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن مالك عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه، وخالد ليس بالقوي .

وروى عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري ، وهو ضعيف، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، ولا يصح، والصحيح حديث الزهري ، عن علي بن الحسين مرسلا .

وأما حديث علي فقد يرويه الزهري ، عن علي بن الحسين ، واختلف عنه فرواه أبو همام الدلال ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، فقال: عن الزهري ، عن علي بن الحسين عن أبيه، عن علي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفه موسى بن داود ، فقال: عن العمري عن الزهري ، عن علي بن الحسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره يرويه عن العمري عن الزهري ، عن علي بن الحسين مرسلا، وهو الصحيح، واختلف في مالك ، فرواه خالد بن خداش الخراساني ، عن مالك عن الزهري ، عن علي بن الحسين مرسلا، وكذلك رواه أصحاب الزهري عن الزهري .

وروي عن جعفر بن محمد ، واختلف عنه، فرواه موسى بن عمير ، عن جعفر عن أبيه، عن جده عن علي ، وخالفه يوسف بن أسباط ، فرواه عن الثوري ، عن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب ، والصحيح قول من أرسله عن علي بن الحسين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ .

قلت: قال ابن عدي في الكامل بعد أن روى هذا الحديث، عن أبي العلاء الكوفي ، عن هشام بن عمار ، عن محمد بن شعيب ، عن الأوزاعي ، عن قرة ما لفظه، وقد روى عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري بضعة عشر حديثا، ولقرة أحاديث صالحة، رواه عنه رشدين بن سعد وسويد بن عبد العزيز ، وابن وهب والأوزاعي وغيرهم، وجملة حديثه عن هؤلاء، والله أعلم .



(تنبيه) :

قال الطيبي : "من" في الحديث تبعيضية، ويجوز كونها بيانية، وإنما قال: "من حسن إسلام المرء" ، ولم يقل: من حسن إيمان المرء ؛ لأن الإسلام عبارة عن الأعمال الظاهرة، والفعل والترك إنما يتعاقبان عليها، وزاد "حسن" إيماء إلى أنه لا عبرة بصور الأعمال فعلا وتركا إلا إن اتصفت بالحسن، بأن توفرت شروط مكملاتها، فضلا عن المصححات، وجعل الترك ترك ما لا يعني من الحسن مبالغة، وفي إفهامه من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه، والذي لا يعني: الفضول كله، على تباين أنواعه، وهذا الحديث قالوا: ربع الإسلام، وقيل: نصفه، وقيل: كله.



الخدمات العلمية