الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قاعدة

من أساليب القرآن : حيث ذكر الرحمة والعذاب أن يبدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى : [ ص: 57 ] ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) ( المائدة : 18 ) ( إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ) ( فصلت : 43 ) وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى : إن رحمتي سبقت غضبي .

وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا وزجرا .

منها قوله في سورة المائدة : ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ) ( المائدة : 40 ) لأنها وردت في ذكر قطاع الطريق ، والمحاربين ، والسراق ، فكان المناسب تقديم ذكر العذاب ، لهذا ختم آية السرقة بـ " عزيز حكيم " وفيه الحكاية المشهورة ، وختمها بالقدرة مبالغة في الترهيب لأن من توعده قادر على إنفاذ الوعيد ، كما قاله الفقهاء في الإكراه على الكلام ونحوه .

ومنها قوله في سورة العنكبوت ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ) ( العنكبوت : 21 ) لأنها في سياق حكاية إنذار إبراهيم لقومه .

ومثلها : ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا ) [ ص: 58 ] ( العنكبوت : 19 - 20 ) إلى قوله : ( إن الله على كل شيء قدير ) ( العنكبوت : 20 ) وبعدها : ( بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) ( العنكبوت : 22 ) .

ومنها في آخر الأنعام قوله : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) ( الأنعام : 165 ) لأن سورة الأنعام كلها مناظرة للكفار ، ووعيدهم خصوصا ، وفي آخرها قبل هذه الآيات بيسير ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ( الأنعام : 159 ) الآية ، وهو تهديد ووعيد إلى قوله : ( قل أغير الله أبغي ربا ) ( الأنعام : 164 ) الآية ، وهو تقريع للكفار ، وإفساد لدينهم إلى قوله : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) ( الأنعام : 165 ) فكان المناسب تقديم ذكر العقاب ترهيبا للكفار ، وزجرا لهم عن الكفر والتفرق ، وزجرا للخلائق عن الجور في الأحكام .

ونحو ذلك في أواخر الأعراف ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) ( الأعراف : 167 ) لأنها في سياق ذكر معصية أصحاب السبت ، وتعذيبه إياهم ، فتقديم العذاب مناسب .

والفرق بين هذه الآية ، وآية الأنعام حيث أتى هنا باللام ، فقال : ( لسريع العقاب ) دون هناك ، لأن اللام تفيد التوكيد ، فأفادت هنا تأكيد سرعة العقاب ، لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل ، وهو عقاب بني إسرائيل بالذل والنقمة ، وأداء الجزية بعد المسخ ، لأنه في سياق قوله : ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) ( الأعراف : 167 ) فتأكيد السرعة أفاد بيان التعجيل ، وهو مناسب بخلاف العقاب المذكور في سورة الأنعام ، فإنه آجل بدليل قوله : ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ( الأنعام : 164 ) فاكتفى فيه بتأكيد ( إن ) ولما اختصت آية الأعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التأكيد لفظا بـ ( إن ) ، وجميع ما في القرآن على هذا اللفظ يناسبه التقديم ، والتأخير ، وعليه دليلان : أحدهما تفصيلي ، وهو الاستقراء فانظر أي آية تجد فيها مناسبا لذلك ، والثاني إجمالي ، وهو أن القرآن [ ص: 59 ] كلام أحكم الحكماء ، فيجب أن يكون على مقتضى الحكمة ، فوجب اعتباره كذلك ، وهذان دليلان عامان في مضمون هذه الفائدة وغيرها .

وأما قوله تعالى : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) ( الأنعام : 147 ) ولم يقل : ذو عقوبة شديدة ، لأنه إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في الاجتراء على معصيته ، وذلك أبلغ في التهديد ، معناه : لا تغتروا بسعة رحمة الله ، فإنه مع ذلك لا يرد عذابه .

ومثله قوله تعالى : ( ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) ( مريم : 45 ) وقد سبقت

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث