الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب دعوة إحدى الإماء

. باب دعوة إحدى الإماء

( قال : رحمه الله قال أمة لها ثلاثة أولاد ولدتهم في بطون مختلفة ، وليس لهم نسب معروف فقال المولى في صحته : أحد هؤلاء ابني ، ثم مات قبل أن يثبت نسب واحد منهم ) ; لأن المدعى نسبه مجهول ونسب المجهول لا يمكن إثباته من أحد ، إنما يثبت في المجهول ما يحتمل التعليق بالشرط ليكون منقطعا بخطر البيان والنسب لا يحتمل التعليق بالشرط فلا يثبت بالمجهول ، والجارية تعتق ; لأنها أقر لها بأمية الولد ، وهو معلوم وأم الولد تعتق بموت مولاها من جميع المال ، وتعتق من كل واحد من الأولاد ثلاثة في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن دعوة النسب إذا لم يعمل في إثبات النسب كانت إقرارا بالحرية فكأنه قال : أحدهم حر فيعتق ثلث كل واحد منهم من جميع المال ، وعلى قول محمد رحمه الله يعتق من الأكبر ثلثه ومن الأوسط نصفه والأصغر كله ; لأن الأكبر إن كان هو المقصود بالدعوة فهو حر فإن كان المقصود هو الأوسط أو الأصغر لم يعتق الأكبر فهو حر في حال ، عبد في حالين فيعتق ثلثه .

وأما الأوسط فإن كان المقصود فهو حر ، وإن كان المقصود هو الأكبر ; لأنه ولد أم الولد فيعتق بموت المولى كما تعتق أمه ، وإن كان المقصود هو الأصغر لم يعتق الأوسط فهو يعتق في حالين ، ولا يعتق في حال ، وأحوال الإصابة حالة واحدة في الروايات الظاهرة إلا فيما ذكر في الزيادات بخلاف حال الحرمان فلهذا يعتق نصفه .

فأما الأصغر فهو حر بيقين سواء كان المقصود هو الأوسط أو الأكبر إلا أن أبا حنيفة رحمه الله لم يعتبر هذه الأحوال ; لأنه مبني على ثبوت النسب ولم يثبت [ ص: 143 ] النسب ; ولأن جهة الحرية مختلفة ، وحكمه مختلف فإنه إن كان مقصودا بالدعوة كان حر الأصل ، وإذا كان المقصود غيره كانت حريته بطريق التبعية للأم بعد موت المولى ، وبين كونه مقصودا وتبعا منافاة ، وكذلك بين حرية الأصل وحرية العتق منافاة ، ولا يمكن اعتبار الجهتين جميعا فلهذا يعتق من كل واحد منهم ثلثه .

وقد روي عن أبي يوسف مثل قول محمد رحمهما الله إلا في حرف واحد وهو أنه قال يعتق من الأكبر نصفه ; لأن تتردد بين شيئين فقط أما أن يكون ثابت النسب من المولى فيكون حرا كله أو لا يكون ثابت النسب منه فلا يعتق منه شيء فلهذا عتق نصفه ، ويسعى في نصف قيمته ، ثم استشهد بقول أبي حنيفة رحمه الله بما لو كان لها ولد واحد فقال المولى : قد ولدت هذه الأمة مني ولدا ، ولم يتبين هذا هو أو غيره لا يثبت نسب هذا المعرف والمولى إنما أقر بنسب المنكر ، والمنكر غير المعرف وتصير الجارية بمنزلة أم الولد لإقراره بأمية الولد لها فيكون الولد عبدا لا يعتق بعتق أمه ; لأنه ما أقر بنسبه ، ولا بانفصاله عن الأم بعد أمية الولد فيها والرق فيها ثابت بيقين فلا يبطل بالاحتمال ، ومن قال بقول محمد رحمه الله يلزمه أن يقول هنا : يعتق من الولد نصفه باعتبار الأحوال ، وهذا قبيح من طريق المعنى أرأيت لو قال قد أسقطت هذه الأمة مني سقطا مستبين الخلق أكان يعتق به شيئا من ابنه الكبير لا يعتق شيء منه فكذلك ما سبق .

وكذلك لو كان كل واحد من هؤلاء الأولاد لأم معروف كان لها فإنه يعتق من كل ولد ثلثه ; لأن النسب لما لم يثبت بدعوته كان هذا إقرارا بالعتق لأحدهم فيعتق من كل واحد منهم ثلثه ، وهذا على أصل الكل ; لأن اعتبار الأحوال هنا غير ممكن

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث