الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومن يقتل مؤمنا متعمدا بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء، أو بما لا يطيقه البتة عالما بإيمانه، وهو نصب على الحال من فاعل (يقتل).

وروي عن الكسائي أنه سكن التاء، وكأنه فر من توالي الحركات فجزاؤه الذي يستحقه بجنايته جهنم خالدا فيها أي: ماكثا إلى الأبد، أو مكثا طويلا إلى حيث شاء الله تعالى، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا.

وقال أبو البقاء: هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في يجزاها المقدر، وقيل: هو من المنصوب لا غير ويقدر جازاه، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ومنع جعله حالا من الضمير المجرور في (فجزاؤه) لوجهين:

أحدهما: أنه حال من المضاف إليه.

وثانيهما: أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ.

وقوله سبحانه: وغضب الله عليه عطف على مقدر، تدل عليه الشرطية دلالة واضحة، كأنه قيل بطريق الاستئناف؛ تقريرا لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك، (وغضب عليه) أي: انتقم منه على ما عليه الأشاعرة ولعنه أي: أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير (أن) وحمل الماضي على معنى المستقبل أي: فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه، إلخ.

وأعد له عذابا عظيما لا يقادر قدره.

والآية كما أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جبير: «نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني أنه أسلم هو وأخوه هشام، وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار، ومنازلهم يومئذ بقباء، أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الدية، فلما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله تعالى وللرسول - صلى الله عليه وسلم - والله تعالى ما نعلم له قاتلا، ولكن نؤدي الدية، فدفعوا إلى مقيس مائة من الأبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتله وارتد عن الإسلام».

وفي رواية أنه ضرب به الأرض، وفضخ رأسه بين حجرين، وركب جملا من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة، وهو يقول في شعر له:


قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع     وأدركت ثأري واضطجعت موسدا
وكنت إلى الأوثان أول راجع

فنزلت هذه الآية
مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد شديد وإبعاد، وقد تأيدت بغيرما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله تعالى عليه وسلم.

فقد أخرج أحمد، والنسائي، عن معاوية، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا».

وأخرج ابن المنذر، [ ص: 116 ] عن أبي الدرداء مثله.

وأخرج ابن عدي والبيهقي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله».

وأخرجا عن البراء بن عازب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: «لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار».

وفي رواية الأصبهاني، عن ابن عمر، أنه - عليه الصلاة والسلام -قال: «لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وأن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر».

واستدل بذلك - ونحوه من القوارع - المعتزلة على خلود من قتل مؤمنا متعمدا في النار، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر، لا سيما الآية؛ لاقتضاء النظم له فيها، كقوله تعالى: ومن كفر في آية الحج، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم للمقداد بن الأسود - كما في الصحيحين - حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: «لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال».

وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد، عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى علي».

وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال: «كنت جالسا بجنب أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن: هل له من توبة؟ فقال: لا والذى لا إله إلا هو لا يدخل الحنة حتى يلج الجمل في سم الخياط».

وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجه غير واحد عنه، وهو محمول على ما ذكرنا.

ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس، عن سعيد بن عبيدة، أن ابن عباس كان يقول: «لمن قتل مؤمنا توبة» فجاءه رجل فسأله: ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: «لا إلا النار» فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟ قال: إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.

وكان هذا أيضا شأن غيره من الأكابر، فقد قال سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، فإذا ابتلي رجل قالوا له: تب.

وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام؛ لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم.

وأخرج ابن المنذر، عن عون بن عبد الله، أنه قال: فجزاؤه جهنم إن هو جازاه، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – قيل: وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذبا، والأصل في هذا على ما قال الواحدي: إن الله - عز وجل - يجوز أن يخلف الوعيد، وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة.

ففي حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وعده الله تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار».

ومن أدعية الأئمة الصادقين - رضي الله تعالى عنهم -: يا من إذا وعد وفا، وإذا توعد عفا، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد ولم تعده نقصا، كما يدل عليه قوله:


وإني إذا أوعدته أو وعدته     لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها.

[ ص: 117 ] والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء، ومنهم من قال: إنها إخبار، إلا أن هناك شرطا محذوفا للترهيب، فلا خلف بالعفو فيها وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل؛ لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه كيف لا وقد قال عز وجل: وجزاء سيئة سيئة مثلها ولو كان هذا إخبارا بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه ويعفو عن كثير وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح، وبكر بن عبد الله، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاء، ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاء ما لم تعط له وتصل إليه!

وتعقبه الطبرسي بأن هذا لا يصح؛ لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل، ولهذا يقال: جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسئ الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسئ حتى يقال: فعل ذلك معهما أو لم يفعل، ويقال لمن قتل غيره: جزاء هذا أن يقتل، وهو كلام صادق، وإن لم يفعل القتل، وإنما لا يقال للدراهم: إنها جزاء الأجير؛ لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها.

واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيرا من الآيات كقوله تعالى: من يعمل سوءا يجز به ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين البتة، وفي الآية ما يشير إليه، ولا يخفى ما فيه؛ لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد، والعفو فيه جائز، فلا معنى للقول بالبت، ومن هنا قيل: إن الآية لا تصلح دليلا للمعتزلة مع قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

وقد أخرج البيهقي، عن قريش بن أنس قال: «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟! فأقول: أنت قلته، ثم تلا هذه الآية ومن يقتل مؤمنا إلخ، فقلت له: وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك: فإني قد قلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع أن يرد علي شيئا».

ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر، عن إسماعيل بن ثوبان قال: «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون: لما نزلت ومن يقتل مؤمنا الآية، قال المهاجرون والأنصار: وجبت لمن فعل هذا النار، حتى نزلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به إلخ، فقال المهاجرون والأنصار: يصنع الله تعالى ما شاء».

وبآية المغفرة رد ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود، وغضب عليه، وأخرجه من عنده، وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولا بستة أشهر أو بأربعة أشهر - كما روي عن زيد بن ثابت – لا يفيد شيئا، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح، كما لا يخفى.

وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل، وكفره مما لا شك فيه، فليس ذلك محلا للنزاع، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته، وقد روي عن عكرمة، وابن جريج، وجماعة أنهم فسروا (متعمدا) بـ(مستحلا) واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل؛ إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعا، فإن التزم المجاز فلا دليل عليه، وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلا لما علمت الآن، على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة، وهو الخطأ الصرف، وقيل: إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن؛ لأنه مشتق، وتعليق الحكم بالمشتق [ ص: 118 ] يفيد علية مبدأ الاشتقاق، فكأنه قيل: ومن يقتل مؤمنا لأجل إيمانه - ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلا - فلا يكون إلا كافرا، فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع، وإن لم يعتبر سبب النزول، واعترض بأن المؤمن - وإن كان مشتقا في الأصل - إلا أنه عومل معاملة الجوامد، ألا ترى أن قولك: كلمت مؤمنا مثلا لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه؟! ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفرا، ولا قائل به، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار، فليفهم.

ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاء بما تقدم في آية البقرة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث