الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يا أيها الذين آمنوا شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله.

إذا ضربتم في سبيل الله أي: سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق فتبينوا أي: فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا تعملوا فيه من غير تدبر وروية.

وقرأ حمزة، وعلي، وخلف (فتثبتوا) أي: فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال، ودخلت الفاء لما في (إذا) من معنى الشرط، كأنه قيل: إن غزوتم فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام أي: حياكم بتحية الإسلام، ومقابلها تحية الجاهلية كأنعم صباحا، وحياك الله تعالى.

وقرأ حمزة، وخلف، وأهل الشام (السلم) بغير ألف، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ (السلم) بكسر السين وفتح اللام، ومعناه في القراءتين الاستسلام والانقياد، وبه فسر بعضهم السلام أيضا في القراءة المشهورة، واللام - على ما قال السمين -: للتبليغ، والماضي بمعنى المضارع، و(من) موصولة أو موصوفة، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت، وتقييد ذلك بالسفر؛ لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: لست مؤمنا وإنما فعلت ذلك خوف القتل، بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه.

وروي عن علي - كرم الله تعالى وجهه - ومحمد بن علي الباقر - رضي الله تعالى عنهما - وأبي جعفر القاري أنهم قرءوا (مؤمنا) بفتح الميم الثانية أي: مبذولا لك الأمان تبتغون عرض الحياة الدنيا أي: تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال، وشيك الانتقال، والجملة في موضع الحال من فاعل (تقولوا) مشعرا بما هو الحامل لهم على العجلة، والنهي راجع إلى القيد والمقيد.

وقوله تعالى: فعند الله مغانم كثيرة تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل: لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل؛ فإن عنده سبحانه وفي مقدوره (مغانم كثيرة) يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك.

وقوله سبحانه: كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه رد إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطئ الباطن والظاهر، ولم تظهر فيه، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، والفاء في فـ(من) للعطف على (كنتم) وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة، كأنه قيل: لا تردوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام، و(تقولوا): إنه ليس بإيمان عاصم، ولا يعد المتصف به مؤمنا معصوما لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة، ومجرد التحية لا يدل عليه، فإنكم كنتم أنتم في مبادئ إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطا مما يدل على التواطؤ، [ ص: 119 ] ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك، فمن الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم، ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعصم بذلك دمائكم وأموالكم، فإذا كان الأمر كذلك (فتبينوا) هذا الأمر، ولا تعجلوا، وتدبروا؛ ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم، حيث كفى فيكم من قبل، وأخر هذا التعليل -على ما قيل -: لما فيه من نوع تفصيل، ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم، مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض، وأن سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم، وفيه نوع حط عليهم، رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم، أو لأنه أوضح في التعليل الأخير، وأسبق للذهن منه، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد، أو أن مجموعهما علة، وقيل: موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف، وقيل: إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي؛ لأن المعنى: لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا؛ لأن عنده سبحانه ثوابا كثيرا في الآخرة، أعده لمن لم يبتغ ذلك، وعبر عن الثواب بالمغانم مناسبة للمقام، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق.

وقال بعض الناس فيها: إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا بدينه في قومه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذرا من قومكم على أنفسكم، فمن الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله عليكم أو (تبينوا) أمر من تقتلونه، ولا يخفى أن هذا - وإن كان بعضه مرويا عن ابن جبير - غير واف بالمقصود.

على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذرا من قومهم في حيز المنع، اللهم إلا أن يقال: إن كون البعض كان مستخفيا كاف في الخطاب، وقيل إن قوله سبحانه: فمن الله عليكم منقطع عما قبله، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه من عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكرا لما من عليهم به، وهو كما ترى.

واختلف في سبب الآية، فأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن حميد وصححه، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا له فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي - صلى الله عليه وسلم – فنزلت».

وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر، فآوى إلى كهف جبل، واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثم أقبل عليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا، ويسأل عن أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون يا رسول الله: لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فشد عليه فقتله، وهو معرض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلا الله؟! فقال يا رسول الله: إنما قالها متعوذا يتعوذ بها، فقال عليه الصلاة والسلام: هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟! ثم نزلت الآية.

[ ص: 120 ] وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة للمبالغة في النهي والزجر، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها، فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل، وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ.

ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور، وأن المخطئ آثم، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم، والبيهقي، عن الحسن، أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهبوا يتطرقون، فلقوا ناسا من العدو فحملوا عليهم فهزموهم، فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم، إني مسلم، فأوجره بالسنان فقتله، وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - عليه الصلاة والسلام -للقاتل: «أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا، قال: أفلا شققت عن قلبه؟! قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادق هو أم كاذب، قال: كنت عالم ذلك يا رسول الله؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: إنما كان يبين عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه» قال: فما لبث القاتل أن مات، فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دفناه؟ مرتين أو ثلاثا، كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا الآية.

وفي رواية عبد الرزاق، عن قتادة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الأرض أبت أن تقبله، فألقوه في غار من الغيران، ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول في الإسلام عنده، بل لأمر آخر، واعتذر بما اعتذر كاذبا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وجماعة، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله وأخذ متيعه، فلما قدمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن يا أيها الذين آمنوا إلخ.

والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا الرجل المصرح به في هذا الخبر، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في القلب من ضغائن قديمة، وإنما قلنا: إن هذا هو الظاهر لما في خبر ابن عمر أن محلم بن جثامة لما رجع جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في بردين فجلس بين يديه - عليه الصلاة والسلام -ليستغفر له، فقال: غفر الله تعالى لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت ساعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض، فجاءوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك له فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم» ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة، فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة.

واعترض على القبول بعدم الوعيد بأن قوله تعالى: إن الله كان بما تعملون خبيرا [ ص: 121 ] يستفاد منه الوعيد، أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولا أوليا مطلعا أتم اطلاع، فيجازيكم بحسب ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والجملة تعليل بطريق الاستئناف، وقرئ بفتح (أن) على أنه معمول لـ(تبينوا) أو على حذف لام التعليل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث