الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


382 [ ص: 209 ] ( 18 ) باب انتظار الصلاة والمشي إليها .

355 - ذكر فيه مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .

[ ص: 210 ] 8673 - قال مالك : لا أرى قوله : ما لم يحدث ، إلا الحدث الذي ينقض الوضوء .

التالي السابق


8674 - قال أبو عمر : أما قوله : الملائكة تصلي على أحدكم فقد بان في سياق الحديث معناه وذلك قوله : اللهم اغفر اللهم ارحمه .

8675 - ومعنى تصلي على أحدكم يريد تدعو له وتترحم عليه .

8676 - ومصلاه موضع صلاته وذلك عندي في المسجد ; لأن هناك يحصل منتظرا للصلاة في الجماعة ، وهذا هو الأغلب في معنى انتظار الصلاة .

8677 - ولو قعدت المرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت الصلاة الأخرى فتقوم إليها لم يبعد أن تدخل في معنى الحديث ; لأنها حبست نفسها عن التصرف رغبة في الصلاة وخوفا من أن تكون في شغل يفوتها معه الصلاة .

8678 - ومن هذا المعنى قيل : وانتظار الصلاة رباط ; لأن المرابط يحبس نفسه عن المكاسب والتصرف إرصادا للعدو وملازمة للموضع الذي يخشى فيه طريق العدو .

8679 - وللصلاة في كلام العرب وجوه .

8680 - قال أبو بكر بن الأنباري : الصلاة تنقسم في لسان العرب على ثلاثة أقسام : تكون الصلاة المعروفة التي فيها الركوع والسجود كما قال تعالى : " فصل لربك وانحر " [ الكوثر : 2 ]

[ ص: 211 ] 8681 - قال أبو عمر : أنشد نفطويه في هذا المعنى قول الأعشى : [ ص: 212 ]

يراوح من صلوات الملي ك طورا سجودا وطورا جؤارا

.

8682 - والجؤار هاهنا الرجوع إلى القيام والقعود ، ومن هذا قولهم للبكرة تدور على الحور .

8683 - قال ابن الأنباري : وتكون الصلاة الترحم من الله تعالى .

8684 - قال الله - عز وجل - " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " [ البقرة : 157 ] .

[ ص: 213 ] 8685 - ومن ذلك قول كعب بن مالك :

صلى الإله عليهم من فتية     وسقى عظامهم الغمام المسبل

.

8686 - وقال آخر :

صلى على يحيى وأشياعه     رب كريم وشفيع مطاع

.

8687 - ومنه الحديث الذي يروى عن ابن أبي أوفى ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 214 ] بصدقة آل أبي أوفى فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى ، يريد اللهم ارحمهم .

8688 - حدثنا إبراهيم بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد يعني ابن حبابة ببغداد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد العزيز ، قال : حدثنا علي بن الجعد بن عبيد الجوهري ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عمرو بن مرة ، قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى - وكان من أصحاب الشجرة - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقة قال : اللهم صل عليهم ، فأتاه أبي بصدقة فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى .

8689 - وتكون الصلاة : الدعاء ، ومن ذلك الصلاة على الميت ، معناها الدعاء ; لأنها لا ركوع فيها ولا سجود .

8690 - ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل " يريد يدعو .

[ ص: 215 ] 8691 - وأما قوله - عز وجل - " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " [ الإسراء : 110 ] فقيل : والصلاة هاهنا الدعاء ، وقيل غير ذلك مما نزلت بسببه الآية على ما قد أوردناه في التمهيد ، ويأتي في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

8692 - ومن معنى قوله : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما روي عن سعيد بن المسيب إذ عوتب على تخلفه عن الجنائز فقال : قعودي في المسجد أنتظر الصلاة أحب إلي ; لأن الملائكة تصلي علي : اللهم اغفر لسعيد بن المسيب .

8693 - وقد ذكرنا في التمهيد خبر سعيد هذا بتمامه ، وذكرنا قول من خالفه في مذهبه هذا ورأى شهود الجنائز أفضل ; لأنه فرض على الكفاية ، والفرض على الكفاية أفضل من التطوع والنافلة .

8694 - وأما قول مالك في معنى ما لم يحدث أنه الحدث الذي ينقض الطهارة ، وهو قول صحيح ; لأن المحدث في المسجد القاعد على غير وضوء لا يكون منتظرا للصلاة .

8695 - وقول مالك هذا أولى من قول من قال : إن الحدث هاهنا الكلام القبيح .

8696 - وهذا قول ضعيف أن من تكلم بما لا يصلح من القول لا يخرجه ذلك من أن يكون منتظرا للصلاة ويرجى له أن يدخل في دعاء الملائكة له بالمغفرة والرحمة ; لأنه منتظر للصلاة في حال يجوز له بها الصلاة إذا كان عقده ونيته انتظار الصلاة بعد الصلاة .

8697 - ويشهد لهذا التأويل حديث مالك في هذا الباب أيضا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث