الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية على كلام الآمدي

قلت: هذا المسلك أضعف من مسألة الحركة والسكون، فإن هذا يفتقر إلى ما يفتقر إليه ذاك من غير عكس، إذ كلاهما مفتقر إلى بيان [ ص: 355 ] امتناع حوادث متعاقبة، وقد عرف ما فيه. وهذا يزيد باحتياجه إلى بيان أن الجسم لا يخلو عن صفات حادثة غير الحركة والسكون، وهذا يخالف فيه جمهور العقلاء، وهذا مبني على مقدمات، على أنه لا بد من قدر أو اجتماع أو افتراق، وأن ذلك لا يكون إلا بمخصص، وأن كل ما لا بد له من مخصص فهو محدث.

أما المقدمة الأولى فجمهور العقلاء سلموا أنه لا بد له من قدر، وأما كونه لا بد له من اجتماع وافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد.

وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد، حتى الطوائف الكبار من أهل الكلام، كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وكثير من الكرامية مع أكثر الفلاسفة، وإن كان القول بتركيب الجسم من المادة والصورة، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة أيضا، أفسد من دعوى تركبه من الجواهر الفردة، فكلا القولين ضعيف.

ونحن في هذا المقام مقصودنا التنبيه على جوامع الطرق ومقاصدها، وأما كون ما له قدر يفتقر إلى مخصص، فهذا فيه نزاع مشهور. وذلك أن القدر صفة من صفات ذي القدر، كألوانه وأكوانه وسائر ما يمكن أن يتصف به الجسم من الحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر [ ص: 356 ] وغير ذلك، فإن صفاته نوعان: منها ما يختص بالأحياء مثل هذه الصفات، ومنها ما يشترك فيه الحي وغيره، كالألوان والقدر والطعم والريح.

فإذا قال القائل: كل ذي قدر يمكن أن يكون قدره على خلاف ما هو عليه، كان بمنزلة أن يقول: كل موصوف يمكن أن يكون موصوفا بخلاف صفته. فإذا عرضنا على عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات، كان تجويزنا لكونها على خلاف أقدارها كتجويزنا لها أن تكون على خلاف صفاتها، بل القدر من الصفات.

ولهذا لما تكلم الفقهاء في مفهوم الصفة -كقوله صلى الله عليه وسلم: «في الإبل السائمة الزكاة»- تكلم بعضهم في مفهوم القدر كقوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، فقال آخرون: القدر من جملة الصفات.

ولهذا كان مما احتج به من احتج به من أهل الكلام على الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، أن العالم له صفات وأقدار يمكن أن يكون على خلافها، فهو مفتقر إلى مخصص، لأن العالم ممكن بالاتفاق، والمخصص لا يكون موجبا بالذات.

وقد سلك هذا الطريق أبو المعالي في «النظامية». فسالكو هذه الطريقة ومنازعوهم لم يفرقوا بين القدر وسائر الصفات في إمكان القبول وعدمه، والقدر المعين أقرب إلى الذات المعينة من الصفات [ ص: 357 ] المطلقة، كما أن صفاته المخصوصة ألزم له من جنس القدر، فإن نفس الجسم التعليمي الذي يقدر في الذهن لا يمكن فرضه إلا وله قدر يمكن فرضه خاليا عن جميع الصفات، لأنه فرض جسم شامل لجميع الأجسام، فلهذا قدر مجردا عن جميع الصفات، كما يفرض عدد مجرد عن جميع المعدودات.

وكذلك ما يتخيله الإنسان من الأجسام بعد رؤيته له، كتخيله الإنسان والفرس والشجر والدار والمدينة والجبل ونحو ذلك، يمكنه تخيله مع عدم تخيل شيء من صفاته كألوانه وغيرها، ولا يمكنه تخيله مع نفي قدره، فاختصاص جنس الجسم بجنس القدر كاختصاص جنس الموصوفات بجنس الصفات، واختصاص الجسم المعين بقدره كاختصاصه بصفته المعينة وحقيقته المخصوصة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث