الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان المرض المخوف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل )

في بيان المرض المخوف والملحق به المقتضي كل منهما للحجر عليه فيما زاد على الثلث وعقبه بالصيغة لما يأتي ( إذا ظننا المرض مخوفا ) لتولد الموت عن جنسه ( لم ينفذ ) بفتح فسكون فضم فمعجمة ( تبرع زاد على الثلث ) ؛ لأنه محجور عليه في الزيادة لحق الورثة ، قيل إن أريد عدم النفوذ باطنا لم ينظر لظننا بل لوجوده ، وإن ظنناه غيره أو ظاهرا خالف الأصح [ ص: 29 ] من جواز تزويج الولي من أعتقت فيه وإن لم تخرج من الثلث ؛ لأنها حرة ظاهرا ، ثم بعد موته إن خرجت من الثلث أو أجاز الورثة استمرت الصحة وإلا فلا ، وأجاب الزركشي بأن المراد بعدم النفوذ الوقف أي وقف اللزوم والاستمرار لا وقف الصحة لينتظم الكلامان وقوله زاد على الثلث لا يلتئم مع قولهم الذي قدمه العبرة بالثلث عند الموت لا الوصية فإن أريد الثلث عنده لم ينظر لظننا أيضا قال الجلال البلقيني : وكان ينبغي له أن يقول لم ينفذ تبرع منجز فإن التبرع المعلق بالموت لا حجر عليه فيه .

ولو زاد على الثلث ؛ لأن الاعتبار بالثلث عند الموت ، وهذا إنما يعرف بعد الموت وأما المنجز فيثبت حكمه حالا فيحجر عليه فيما زاد على الثلث ا هـ وفي جميعه نظر كجواب الزركشي ؛ لأن وقف اللزوم الذي ذكره لا يتقيد بظننا كما هو واضح مما تقرر في مسألة العتيقة ، وما ذكر عن الجلال عجيب مع ما تقرر في الثلث أنه لا يعتبر إلا عند الموت مطلقا وفي مسألة العتيقة أنها تزوج حالا مع كونها كل ماله اعتبارا بالظاهر من صحة التصرف الآن فلا فرق بين المنجز والمعلق والذي يندفع به جميع ما اعترض به عليه أن كلامه الآتي مبين لمراده مما هنا أن محله فيما إذا طرأ على المرض قاطع له من نحو غرق أو حرق [ ص: 30 ] فحينئذ إن كنا ظننا المرض مخوفا بقول خبيرين لم ينفذ تبرع زاد على الثلث حينئذ منجزا كان أو معلقا بالموت ، وإن كنا ظنناه غير مخوف وحملنا الموت على نحو الفجأة لكونه نحو جرب أو وجع ضرس نفذ المنجز ، وإن زاد على الثلث حينئذ فاتضح أن اعتبار الثلث حين طرو القاطع لا يخالف ما مر أن العبرة فيه بالموت ؛ لأنا لم نعتبره هنا إلا عند الموت .

( فإن برأ نفذ ) أي بان نفوذه من حين تصرفه في الكل قطعا لتبين أن لا مخوف ومن صار عيشه عيش مذبوح لمرض أو جناية في حكم الأموات بالنسبة لعدم الاعتداد بقوله ( وإن ظنناه غير مخوف فمات ) أي اتصل به الموت ( فإن حمل على الفجأة ) لكون المرض الذي به لا يتولد منه موت كجرب ووجع عين أو ضرس وهي بضم الأول والمد وبفتح فسكون واعتراضه بأنه لم يسمع إلا تنكيرها يرده حديث { موت الفجأة أخذة أسف } أي لغير المستعد وإلا فهو راحة للمؤمن كما في رواية أخرى ( نفذ ) جميع تبرعه ( وإلا ) يحمل على ذلك لكون المرض الذي به غير مخوف ، لكنه قد يتولد عنه الموت كإسهال أو حمى يوم أو يومين وكان التبرع قبل أن يعرق واتصل الموت به ( فمخوف ) فلا ينفذ ما زاد على الثلث ، وفائدة الحكم في هذا بأنه إن اتصل به الموت مخوف وإلا فلا أنه إذا حز عنقه أو سقط من عال مثلا كان من رأس المال بخلاف المخوف فإنه يكون من الثلث مطلقا كما تقرر ( ولو شككنا ) قبل الموت ( في كونه ) أي المرض ( مخوفا لم يثبت ) كونه مخوفا ( إلا ب ) قول ( طبيبين حرين عدلين ) [ ص: 31 ] مقبولي الشهادة لتعلق حق الموصى له والورثة بذلك فسمعت الشهادة به ولو في حياته كأن علق شيء بكونه مخوفا واعترض اقتصاره على الحرية وحذفه الإسلام والتكليف وذكره العدالة المغنية عن الحرية إن أريد بها عدالة الشهادة .

ويجاب بأنه لوح بذكر الحرية إلى أن المراد عدالة الشهادة لا الرواية ولا العدالة الظاهرة وأفهم كلامه أنه لا يثبت برجل وامرأتين ولا بمحض النسوة ومحله في غير علة باطنة بامرأة ، ويقبل قول الطبيبين إنه غير مخوف أيضا خلافا للمتولي وقد لا ترد عليه بإرجاع ضمير يثبت إلى كل من طرفي الشك أما لو اختلف الوارث والمتبرع عليه بعد الموت بنحو غرق في المرض فيصدق الثاني وعلى الوارث البينة ويكفي فيها غير طبيبين إذا وقع الاختلاف في نحو الحمى المطبقة ووجع الضرس ولو اختلف الأطباء رجح الأعلم فالأكثر عددا فمن يخبر بأنه مخوف

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

[ ص: 28 ] فصل في بيان المرض المخوف والملحق به )

( قوله في المتن لم ينفذ ) أي قهرا على الورثة كما علم مما تقدم ( قوله لم ينظر لظننا ) بل لوجوده قلنا وجوده وحده لا يكفي في هذا الحكم بل لا بد أن يثبت وجوده عندنا حتى [ ص: 29 ] ترتب عليه هذا الحكم وهو معنى قوله ظننا وليس المراد الظن عند الوصية بل وبعد الموت فحاصل المعنى إذا مات الموصي متصلا بالمرض فإن ظنناه بعد الموت مخوفا بأن يثبت عندنا ذلك تبينا حينئذ عدم نفوذ ما زاد على الثلث عند الموت وهذا معنى صحيح ولا إشكال فيه ، وإن ظنناه بعد الموت غير مخوف فإن حمل الموت على الفجأة تبين نفوذ ما زاد وإن لم يحمل على الفجأة تبين أنه تولد منه الموت ، وإن كان في أصله غير مخوف فيتبين عدم النفوذ فليتأمل ( قوله وأجاب الزركشي إلخ ) يمكن أن يجاب باختيار الشق الأول ( قوله فحينئذ إن كنا ظننا المرض مخوفا إلخ ) قد يقال هذا لا يدفع الإشكال ؛ لأنه لا ينظر لظننا بل لوجوده فيحتاج أن يقال مجرد وجوده لا يثبت به [ ص: 30 ] حكم ما لم يظنه وحينئذ يمكن الاستغناء عن اعتبار القاطع ، ويجاب بما مر في المقالة التي قبل هذه ( قوله وحملنا الموت إلخ ) أي حاجة لذلك مع أن فرض المقسم طرو قاطع من نحو غرق أو حرق .

( قوله في المتن فإن برأ ) ومن لازم البرء عدم طرو القاطع المذكور ، والحاصل أن التقييد بطرو القاطع إنما يحتاج إليه في قوله لم ينفذ إلخ ( قوله في المتن على الفجأة ) قال في العباب أو على سبب خفي ( قوله كإسهال ) كأنه بغير تنوين لإضافته إلى يوم أو يومين أيضا ( قوله أنه إذا حز عنقه أو سقط من عال إلخ ) قضية سياقه رجوعه للقسمين أعني قوله إن اتصل به الموت مخوف ، وإلا فلا فيكون الحكم بأنه مخوف إذا لم يطرأ قاطع من نحو حز أو سقوط من عال ولا ينافيه قوله بخلاف المخوف فإنه يكون من الثلث مطلقا ؛ لأنه في المخوف في نفسه فليراجع ( قوله قبل الموت ) كان وجه هذا التقييد أنه بعد الموت لا يحتاج للإثبات ؛ لأنه إن حمل الموت على الفجأة لم يكن مخوفا وإلا فمخوف فليحرر [ ص: 31 ] قوله ويجاب بأنه لوح إلخ ) ما وجه التلويح إلى عدم العدالة الظاهرة ( قوله وأفهم كلامه إلخ ) عبارة الروض وشرحه ذكر أن فيما لا يختص النساء بالاطلاع عليه غالبا فإن لم يطلع عليه إلا النساء غالبا فأربع أي فيكون فيه أربع نسوة أو رجل وامرأتان ا هـ .

( قوله أيضا ) أي كما يقبل قولهما في أنه مخوف ( قوله أما لو اختلف الوارث والمتبرع عليه ) أي كأن قال الوارث كان المرض مخوفا والمتبرع عليه كان غير مخوف ( قوله فيصدق الثاني إلخ ) عبارة العباب وكذا أي يحلف الموصى له لو اختلفا في عين المرض أو أن التبرع في الصحة أو المرض

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث