الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود .

تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سترد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالا وتفصيلا ، ذكرهم بها لأن عليهم الإيفاء بما عاقدوا الله عليه . وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة : هذا ظهير كريم يتقبل بالطاعة والامتثال . وذلك براعة استهلال .

فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق ، فشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها ربهم وهو الامتثال لشريعته ، وذلك كقوله واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ، ومثل ما كان يبايع عليه الرسول المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ويقول لهم : فمن وفى منكم فأجره على الله .

وشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين ، مثل قوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، وقوله ولا آمين البيت الحرام . ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم .

والإيفاء هو إعطاء الشيء وافيا ، أي غير منقوص ، ولما كان تحقق ترك النقص لا يحصل في العرف إلا بالزيادة على القدر الواجب ، صار الإيفاء مرادا منه عرفا العدل ، وتقدم عند قوله تعالى فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم في سورة النساء .

والعقود جمع عقد بفتح العين ، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل ما . وحقيقته أن العقد هو ربط الحبل بالعرورة ونحوها ، وشد الحبل في نفسه أيضا عقد . ثم استعمل مجازا في الالتزام ، فغلب استعماله حتى صار حقيقة عرفية ، قال الحطيئة :

[ ص: 75 ]

قوم إذا عقدوا عقدا لجـارهـم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشد القربة ، وذكر الكرب وهو حبل آخر للقربة ; فرجع بالعقد المجازي إلى لوازمه فتخيل معه عناجا وكربا ، وأراد بجميعها تخييل الاستعارة . فالعقد في الأصل مصدر سمي به ما يعقد ، وأطلق مجازا على التزام من جانبين لشيء ومقابله ، والموضع المشدود من الحبل يسمى عقدة . وأطلق العقد أيضا على الشيء المعقود إطلاقا للمصدر على المفعول ; فالعهود عقود ، والتحالف من العقود ، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود ، وهي المراد هنا . ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لأنها كالعقود ، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمنا ، وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به .

ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمل من جانبين ; فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض ، وقد يكون إنشاء تحمل كالإجارة بأجر ناض ، وكالسلم والقراض ; وقد يكون إنشاء تحمل من جانبين كالنكاح ، إذ المهر لم يعتبر عوضا وإنما العوض هو تحمل كل من الزوجين حقوقا للآخر . والعقود كلها تحتاج إلى إيجاب وقبول .

والأمر بالإيفاء بالعقود يدل على وجوب ذلك ، فتعين أن إيفاء العاقد بعقده حق عليه ، فلذلك يقضى به عليه ، لأن العقود شرعت لسد حاجات الأمة فهي من قسم المناسب الحاجي ، فيكون إتمامها حاجيا ; لأن مكمل كل قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمله : إن ضروريا ، أو حاجيا ، أو تحسينا . وفي الحديث المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا .

فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها ، كالنكاح والبيع . والمراد بما يقوم مقام [ ص: 76 ] الصيغة نحو الإشارة للأبكم ، ونحو المعاطاة في البيوع . والعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها الشروع فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع ، كالجعل والقراض . وتمييز جزئيات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد .

وقال القرافي في الفرق التاسع والمائتين : إن أصل العقود من حيث هي اللزوم ، وإن ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنه مبني على عدم اللزوم بالقول فإنما ذلك لأن في بعض العقود خفاء الحق الملتزم به فيخشى تطرق الغرر إليه ، فوسع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلا بالشروع في العمل ، لأن الشروع فرع التأمل والتدبر . ولذلك اختلف المالكية في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول ، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع . وقد احتج في الفرق السادس والتسعين والمائة على أن أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى أوفوا بالعقود وذكر أن المالكية احتجوا بهذه الآية على إبطال حديث : خيار المجلس ; يعني بناء على أن هذه الآية قررت أصلا من أصول الشريعة ، وهو أن مقصد الشارع من العقود تمامها ، وبذلك صار ما قررته مقدما عند مالك على خبر الآحاد ، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا " .

واعلم أن العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم ، كبيع الخيار ، فضبطه الفقهاء بمدة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه .

ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب ، والتعاقد على نصر المظلوم ، وكل تعاقد وقع على غير أمر حرام ، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد ، فبقي الأمر متعلقا بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه : كحلف الفضول . وفي الحديث : أوفوا [ ص: 77 ] بعقود الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام . وبقي أيضا ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحديبية بين النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقريش . وقد روي أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حلف الجاهلية فقال : لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم ، قال : نعم ، قال : لا يزيده الإسلام إلا شدة . قلت : وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه . وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية ، كما تقدم في قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم في سورة آل عمران .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث