الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه .

ولهذا وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر ، فعلى المفسر مراعاة مجاري الاستعمالات ، والقطع بعدم الترادف ما أمكن ، فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد ، ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب ، وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد .

فمن ذلك : الخوف والخشية ، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما ، ولا شك أن الخشية أعلى من الخوف ، وهي أشد الخوف ، فإنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشية ، إذا كانت يابسة ، وذلك فوات بالكلية ، والخوف من قولهم : ناقة خوفاء إذا كان بها داء ، وذلك نقص وليس بفوات ، ومن ثمة خصت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه : ( ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) ( الرعد : 31 ) .

وفرق بينهما أيضا بأن الخشية تكون من عظم المخشي ، وإن كان الخاشي قويا ، والخوف يكون من ضعف الخائف ، وإن كان المخوف أمرا يسيرا ، ويدل على ذلك أن الخاء ، والشين ، والياء في تقاليبها تدل على العظمة ، قالوا : شيخ للسيد الكبير ، والخيش لما عظم من الكتان ، والخاء والواو والفاء في تقاليبها تدل على الضعف ، وانظر إلى الخوف لما [ ص: 69 ] فيه من ضعف القوة ، وقال تعالى : ( ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) فإن الخوف من الله لعظمته يخشاه كل أحد كيف كانت حاله ، وسوء الحساب ربما لا يخافه من كان عالما بالحساب ، وحاسب نفسه قبل أن يحاسب .

وقال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ( فاطر : 28 ) وقال لموسى : ( لا تخف ) ( النمل : 10 ) أي لا يكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه بسبب فرعون .

فإن قيل : ورد ( يخافون ربهم ) ؟

قيل : الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمة الله ضعيف ، فيصح أن يقول : يخشى ربه لعظمته ، ويخاف ربه أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى .

وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما ذكر الملائكة ، وهم أقوياء ، ذكر صفتهم بين يديه ، فقال ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) ( النحل : 50 ) فبين أنهم عند الله ضعفاء ، ولما ذكر المؤمنين من الناس ، وهم ضعفاء ، لا حاجة إلى بيان ضعفهم ، ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى ، فقال : ( يخشون ربهم ) ولما ذكر ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوة الله تعالى قال : ( ربهم من فوقهم ) والمراد فوقية بالعظمة .

ومن ذلك الشح والبخل ، والشح هو البخل الشديد ، وفرق العسكري بين البخل ، والضن ، بأن الضن أصله أن يكون بالعواري ، والبخل بالهبات ، ولهذا يقال : هو ضنين بعلمه ، ولا يقال : هو بخيل ، لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهبة ، لأن الواهب إذا وهب شيئا خرج عن ملكه بخلاف العارية ، ولهذا قال تعالى : ( وما هو على الغيب بضنين ) ( التكوير : 24 ) ولم يقل بـ ( بخيل ) .

ومن ذلك الغبطة ، والمنافسة ، كلاهما محمود قال تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [ ص: 70 ] ( المطففين : 26 ) وقال صلى الله عليه وسلم : لا حسد إلا في اثنتين وأراد الغبطة ، وهي تمني مثل ما له من غير أن يغتم لنيل غيره ، فإن انضم إلى ذلك الجد ، والتشمير إلى مثله ، أو خير منه فهو منافسة .

وقريب منها الحسد ، والحقد ، فالحسد تمني زوال النعمة من مستحقها ، وربما كان مع سعي في إزالتها ، كذا ذكر الغزالي هذا القيد أعني الاستحقاق ، وهو يقتضي أن تمني زوالها عمن لا يستحقها لا يكون حسدا .

ومن ذلك السبيل والطريق ، وقد كثر استعمال السبيل في القرآن حتى إنه وقع في الربع الأول منه في بضع وخمسين موضعا ، أولها قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) ( البقرة : 273 ) ولم يقع ذكر الطريق فيه إلا في قوله : ( ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم ) ( النساء : 168 ، 169 ) ثم إن اسم السبيل أغلب وقوعا في الخير ، ولا يكاد اسم الطريق يراد به الخير إلا مقترنا بوصف ، أو بإضافة ، مما يخلصه لذلك كقوله تعالى : ( إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) ( الأحقاف : 30 ) .

[ ص: 71 ] ومن ذلك " جاء " و " أتى " يستويان في الماضي ، و ( يأتي ) أخف من ( يجيء ) ، وكذا في الأمر جيئوا بمثله ، أثقل من فأتوا بمثله ، ولم يذكر الله إلا " يأتي " ، ويأتون ، وفي الأمر " فأت " " فأتنا " ، " فأتوا " ، لأن إسكان الهمزة ثقيل لتحريك حروف المد ، واللين ، تقول " جئ " أثقل من " ائت " .

وأما في الماضي ففيه لطيفة ، وهي أن ( جاء ) يقال في الجواهر ، والأعيان ، و ( أتى ) في المعاني ، والأزمان ، وفي مقابلتها " ذهب " و " مضى " ، يقال " ذهب " في الأعيان ، ومضى في الأزمان ، ولهذا يقال : حكم فلان ماض ، ولا يقال : ذاهب لأن الحكم ليس من الأعيان .

وقال تعالى : ( ذهب الله بنورهم ) ( البقرة : 17 ) ولم يقل : مضى لأنه يضرب له المثل بالمعاني المفتقرة إلى الحال ، ويضرب له المثل بالأعيان القائمة بأنفسها ، فذكر الله تعالى جاء في موضع الأعيان في الماضي ، وأتى في موضع المعاني ، والأزمان .

وانظر قوله تعالى : ( ولمن جاء به حمل بعير ) ( يوسف : 72 ) لأن الصواع عين ( ولما جاءهم كتاب ) ( البقرة : 89 ) لأنه عين ، وقال : ( وجيء يومئذ بجهنم ) ( الفجر : 23 ) لأنها عين .

وأما قوله تعالى : ( فإذا جاء أجلهم ) ( النحل : 61 ) فلأن الأجل كالمشاهد ، ولهذا يقال : حضرته الوفاة ، وحضره الموت ، وقال تعالى : ( بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) ( الحجر : 63 ) أي العذاب ، لأنه مرئي يشاهدونه ، وقال : ( وأتيناك بالحق وإنا لصادقون ) ( الحجر : 64 ) حيث لم يكن الحق مرئيا .

فإن قيل : فقد قال تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ) ( يونس : 24 ) وقال : ( ولما جاء أمرنا ) ( هود : 58 ) فجعل الأمر آتيا وجائيا .

قلنا : هذا يؤيد ما ذكرناه ، فإنه لما قال : " جاء " وهم ممن يرى الأشياء قال : جاء أي عيانا ، ولما كان الروع لا يبصر ، ولا يسمع ، ولا يرى ، قال : " أتاها " ، ويؤيد هذا : أن " جاء " [ ص: 72 ] يعدى بالهمزة ، ويقال : أجاءه ، قال تعالى : ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) ( مريم : 23 ) ولم يرد " أتاه " بمعنى " ائت " من الإتيان ، لأن المعنى لا استقلال له حتى يأتي بنفسه .

ومن ذلك الخطف والتخطف ، لا يفرق الأديب بينهما ، والله تعالى فرق بينهما ، فتقول : خطف بالكسر لما تكرر ، ويكون من شأن الخاطف الخطف ، و " خطف " بالفتح حيث يقع الخطف من غير من يكون من شأنه الخطف بكلفة ، وهو أبعد من " خطف " بالفتح ، فإنه يكون لمن اتفق له على تكلف ، ولم يكن متوقعا منه ، ويدل عليه أن " فعل " بالكسر لا يتكرر كعلم ، وسمع ، و " فعل " ، لا يشترط فيه ذلك ، كـ " قتل " ، وضرب ، قال تعالى : ( إلا من خطف الخطفة ) ( الصافات : 10 ) فإن شغل الشيطان ذلك ، وقال : ( فتخطفه الطير ) ( الحج : 31 ) لأن من شأنه ذلك .

وقال : ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) ( الأنفال : 26 ) فإن الناس لا تخطف الناس إلا على تكلف . وقال : ( ويتخطف الناس من حولهم ) ( العنكبوت : 67 ) . وقال : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) ( البقرة : 20 ) لأن البرق يخاف منه خطف البصر إذا قوي .

ومن ذلك " مد " ، و " أمد " ، قال الراغب : أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب : ( وأمددناهم بفاكهة ) ( الطور : 22 ) ( وظل ممدود ) ( الواقعة : 30 ) والمد في المكروه ( ونمد له من العذاب مدا ) ( مريم : 79 ) .

ومن ذلك " سقى " ، و " أسقى " ، وقد سبق .

ومن ذلك " عمل " و " فعل " ، والفرق بينهما أن العمل أخص من الفعل ، كل عمل فعل ، ولا ينعكس ، ولهذا جعل النحاة الفعل في مقابلة الاسم ، لأنه أعم ، والعمل من الفعل ما كان مع امتداد ، لأنه " فعل " وباب " فعل " لما تكرر .

[ ص: 73 ] وقد اعتبره الله تعالى ، فقال : ( يعملون له ما يشاء ) ( سبأ : 13 ) حيث كان فعلهم بزمان .

وقال : ( ويفعلون ما يؤمرون ) ( النحل : 50 ) حيث يأتون بما يؤمرون في طرفة عين ، فينقلون المدن بأسرع من أن يقوم القائم من مكانه . وقال تعالى : ( مما عملت أيدينا ) ( يس : 71 ) ( وما عملته أيديهم ) ( يس : 35 ) فإن خلق الأنعام ، والثمار ، والزروع بامتداد ، وقال : ( كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ( الفيل : 1 ) ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) ( الفجر : 6 ) ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) ( إبراهيم : 45 ) فإنها إهلاكات وقعت من غير بطء .

وقال : ( وعملوا الصالحات ) ( البقرة : 25 ) حيث كان المقصود المثابرة عليها ، لا الإتيان بها مرة . وقال : ( وافعلوا الخير ) ( الحج : 77 ) بمعنى سارعوا ، كما قال : ( فاستبقوا الخيرات ) ( البقرة : 148 ) وقال : ( والذين هم للزكاة فاعلون ) ( المؤمنون : 4 ) أي يأتون بها على سرعة من غير توان في دفع حاجة الفقير ، فهذا هو الفصاحة في اختيار الأحسن في كل موضع .

ومن ذلك " القعود " و " الجلوس " ، إن القعود لا يكون معه لبثة ، والجلوس لا يعتبر فيه ذلك ، ولهذا تقول : قواعد البيت ، ولا تقول : جوالسه ، لأن مقصودك ما فيه ثبات ، والقاف والعين والدال كيف تقلبت دلت على اللبث ، والقعدة بقاء على حالة ، والدقعاء للتراب الكثير الذي يبقى في مسيل الماء ، وله لبث طويل ، وأما الجيم واللام والسين فهي للحركة ، منه السجل للكتاب يطوى له ولا يثبت عنده ، ولهذا قالوا في " قعد " : يقعد بضم الوسط ، وقالوا : " جلس " يجلس بكسره فاختاروا الثقيل لما هو أثبت .

إذا ثبت هذا فنقول : قال الله تعالى : ( مقاعد للقتال ) ( آل عمران : 121 ) فإن الثبات هو المقصود . وقال : ( اقعدوا مع القاعدين ) ( التوبة : 46 ) أي : لا زوال لكم ، [ ص: 74 ] ولا حركة عليكم بعد هذا ، وقال : ( في مقعد صدق ) ( القمر : 55 ) ولم يقل : مجلس ، إذ لا زوال عنه .

وقال : ( إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ) ( المجادلة : 11 ) إشارة إلى أنه يجلس فيه زمانا يسيرا ليس بمقعد ، فإذا طلب منكم التفسح فافسحوا ، لأنه لا كلفة فيه لقصره ، ولهذا لا يقال : قعيد الملوك ، وإنما يقال : جليسهم ، لأن مجالسة الملوك يستحب فيها التخفيف ، والقعيدة تقال للمرأة لأنها تلبث في مكانها .

ومن ذلك التمام ، والكمال ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة : 3 ) والعطف يقتضي المغايرة ، فقيل : الإتمام لإزالة نقصان الأصل ، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل ، ولهذا كان قوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) ( البقرة : 196 ) أحسن من " تامة " ، فإن التمام من العدد قد علم ، وإنما بقي احتمال نقص في صفاتها .

وقيل : " تم " يشعر بحصول نقص قبله ، وكمل لا يشعر بذلك ، ومن هذا قولهم : رجل كامل إذا جمع خصال الخير ، ورجل تام إذا كان غير ناقص الطول .

وقال العسكري : الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به ، والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ، ولهذا يقولون : القافية تمام البيت ، ولا يقولون كماله ، ويقولون البيت بكماله .

ومن ذلك الضياء ، والنور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث