الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( فائدة ) قال الجويني : لا يكاد اللغويون يفرقون بين الإعطاء والإتيان ، وظهر لي بينهما فرق انبنى عليه بلاغة في كتاب الله ، وهو أن الإتيان أقوى من الإعطاء في [ ص: 75 ] إثبات مفعوله ، لأن الإعطاء له مطاوع ، يقال : أعطاني فعطوت ، ولا يقال في الإيتاء : أتاني ، فأتيت ، وإنما يقال : آتاني ، فأخذت ، والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له ، لأنك تقول : قطعته فانقطع ، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفا على قبول المحل ، لولاه لما ثبت المفعول ، ولهذا يصح : قطعته فما انقطع ، ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك ، فلا يجوز أن يقال : ضربته ، فانضرب ، أو ما انضرب ، ولا قتلته ، فانقتل ، أو ما انقتل ، لأن هذه الأفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل ، والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع لها ، فالإيتاء إذن أقوى من الإعطاء .

قال : وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى ، قال الله تعالى في الملك : ( تؤتي الملك من تشاء ) ( آل عمران : 26 ) لأن الملك شيء عظيم لا يعطيه إلا من له قوة ، ولأن الملك في الملك أثبت من الملك في المالك ، فإن الملك لا يخرج الملك من يده ، وأما المالك فيخرجه بالبيع والهبة .

وقال تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ) ( البقرة : 269 ) لأن الحكمة إذا ثبتت في المحل دامت . وقال : ( آتيناك سبعا من المثاني ) ( الحجر : 87 ) لعظم القرآن ، وشأنه . وقال : ( إنا أعطيناك الكوثر ) ( الكوثر : 1 ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته يردون على الحوض ورود النازل على الماء ، ويرتحلون إلى منازل العز والأنهار الجارية في الجنان ، والحوض للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأمته عند عطش الأكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم ، فقال فيه : ( إنا أعطيناك ) لأنه يترك ذلك عن قرب ، وينتقل إلى ما هو أعظم منه .

وقال : ( أعطى كل شيء خلقه ) ( طه : 50 ) لأن من الأشياء ما له وجود في زمان واحد بلفظ الإعطاء ، وقال : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ( الضحى : 5 ) لأنه تعالى بعد ما يرضي النبي صلى الله عليه وسلم يزيده ، وينتقل به من كل الرضا إلى أعظم ما كان يرجو منه ، لا بل حال أمته كذلك ، فقوله : يعطيك ربك فيه بشارة .

وقال : ( حتى يعطوا الجزية عن يد ) ( التوبة : 29 ) لأنها موقوفة على قبول [ ص: 76 ] منا ، وهم لا يؤتون إيتاء عن طيب قلب ، وإنما هو عن كره ، إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يكون إعطاؤه للزكاة بقوة ، لا يكون كإعطاء الجزية . فانظر إلى هذه اللطيفة الموقفة على سر من أسرار الكتاب

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث