الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
قاعدة في التعريف والتنكير .

اعلم أن لكل واحد منهما مقاما لا يليق بالآخر .

فأما التعريف فله أسباب :

الأول : الإشارة إلى معهود خارجي كقوله تعالى : ( بكل سحار عليم فجمع السحرة ) ( الشعراء : 37 - 38 ) على قراءة الأعمش فإنه أشير بالسحرة إلى ساحر مذكور . وقوله : ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ) ( المزمل : 15 - 16 ) .

وأغرب ابن الخشاب فجعلها للجنس ، فقال : لأن من عصى رسولا فقد عصى سائر الرسل .

ومنهم من لا يشترط تقدم ذكره ، وجعل منه قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ) ( البقرة : 13 ) لأنهم كانوا يعتقدون أن الناس الذين آمنوا سفهاء . وقوله : ( وليس الذكر كالأنثى ) ( آل عمران : 36 ) أي الذكر الذي طلبته كالأنثى التي وهبت لها ، وإنما جعل هذا للخارجي لمعنى الذكر في قولها : ( إني نذرت لك ما في بطني محررا ) ( آل عمران : 36 ) ومعنى الأنثى في قولها : ( إني وضعتها أنثى ) ( آل عمران : 36 ) .

الثاني لمعهود ذهني ، أي في ذهن مخاطبك كقوله تعالى : ( إذ هما في الغار ) ( التوبة : 40 ) ( إذ يبايعونك تحت الشجرة ) ( الفتح : 18 ) وإما [ ص: 77 ] حضوري ، نحو : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( المائدة : 3 ) فإنها نزلت يوم عرفة .

الثالث : الجنس ، وهي فيه على أقسام :

أحدها : أن يقصد المبالغة في الخبر فيقصر جنس المعنى على المخبر عنه ، نحو : زيد الرجل ، أي الكامل في الرجولية ، وجعل سيبويه صفات الله تعالى كلها من ذلك .

وثانيها : أن يقصره على وجه الحقيقة لا المبالغة ، ويسمى تعريف الماهية ، نحو : ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) ( الأنعام : 89 ) وقوله : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) ( الأنبياء : 30 ) أي جعلنا مبتدأ كل حي هذا الجنس الذي هو الماء .

وقال بعضهم : المراد بالحقيقة ثبوت الحقيقة الكلية الموجودة في الخارج ، لا الشاملة لأفراد الجنس ، نحو : الرجل خير من المرأة ، لا يريدون امرأة بعينها ، وإنما المراد هذا الجنس خير من ذلك الجنس من حيث هو ، وإن كان يتفق في بعض أفراد النساء من هو خير من بعض أفراد الرجال بسبب عوارض .

وهذا معنى قول ابن بابشاذ : إن تعريف العهد لما ثبت في الأعيان ، وتعريف الجنس لما ثبت في الأذهان ، لأن التفضيل في الجنس راجع إلى الصورتين الكليتين في الذهن إذ لا معنى للتفضيل في الصورة الذهنية ، وإنما أضاف إلى الذهن ، لأن حصص تلك الحقيقة التي ذكرناها ، وإن كانت موجودة في الخارج لاشتمال الأفراد الخارجية عليها ، ولكنها كلها مطابقة للصورة الذهنية التي لتلك الحقيقة ، ولهذا تسمى الكلية الطبيعية .

الرابع : أن يقصد بها الحقيقة باعتبار كلية ذلك المعنى ، وتعرف بأنها التي إذا نزعت حسن أن يخلفها " كل " ، وتفيد معناها الذي وضعت له حقيقة ، ويلزم من [ ص: 78 ] ذلك الدلالة على شمول الأفراد ، وهي الاستغراقية ، ويظهر أثره في صحة الاستثناء منه ، مع كونه بلفظ الفرد ، نحو : ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ) ( العصر : 2 - 3 ) وفي صحة وصفه بالجمع ، نحو : ( أو الطفل الذين لم يظهروا ) ( النور : 31 ) .

قال صاحب ضوء المصباح : وسواء أكان الشمول باعتبار الجنس : كالرجل ، والمرأة ، أو باعتبار النوع : كالسارق والسارقة ، ويفرق بينهما بأن ما دخلت عليه من أجل فعله فيزول عنه الاسم بزوال الفعل فهي للنوع ، وما دخلت عليه من أجل وصفه فلا يزول عنه الاسم أبدا ، هذا كله إذا دخلت على مفرد ، نحو : ( إلى عالم الغيب والشهادة ) ( التوبة : 94 ) ( وخلق الإنسان ضعيفا ) ( النساء : 28 ) ( إن الإنسان لفي خسر ) ( العصر : 2 ) خلافا للإمام فخر الدين ومن تبعه في قولهم : إن المفرد المحلى بالألف واللام لا يعم ، ولنا الاستثناء في قوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا ) وليس في قوله : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( المائدة : 32 ) دلالة على العموم كما زعم صاحب الكشاف .

فإن قلت : فإذا لم يكن السارق عاما فبماذا تقطع يد كل سارق من لدن سرق رداء صفوان إلى انقضاء العالم ؟ قيل : لأن المراد منه الجنس ، أي نفس الحقيقة ، والمعنى [ ص: 79 ] أن المتصف بصفة السرقة تقطع يده ، وهو صادق على كل سارق ، لأن الحقيقة كما توجد مع الواحد توجد مع المتعدد أيضا ، فإن دخلت على جمع فاختلف العلماء ، هل سلبته معنى الجمع ، ويصير للجنس ويحمل على أقله ، وهو الواحد لئلا يجتمع على الكلمة عمومان ، أو معنى الجمع باق معها .

عموم مذهب الحنفية الأول ، وقضية مذهبنا الثاني . ولهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف في الزكاة إلا العاملين ، ويلزم الحنفية ألا يصح منه الاستثناء ولا يخصصه ، وقد قال تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) ( الحجر : 30 - 31 ) وقال : ( فاقتلوا المشركين ) ( التوبة : 5 ) إلى قوله : ( حتى يعطوا الجزية ) ( التوبة : 29 ) وقد حققته في باب العموم من بحر الأصول .

[ ص: 80 ] ثم الأكثر في نعتها وغيرها موافقة اللفظ ، كقوله تعالى : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) ( النساء : 36 ) وقوله : ( لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ) ( الليل : 15 إلى 18 ) .

وتجيء موافقة معنى " لا " لفظا على قلة ، كقوله : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) ( النور : 31 ) .

وأما التنكير فله أسباب : ( الأول ) : إرادة الوحدة ، نحو : ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ) ( القصص : 20 ) .

( الثاني ) : إرادة النوع ، كقوله : ( هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ) ( ص : 49 ) أي نوع من الذكر . ( وعلى أبصارهم غشاوة ) ( البقرة : 7 ) وهي التعامي عن آيات الله الظاهرة لكل مبصر ، ويجوز أن يكون للتعظيم ، وأجريا في قوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) ( النور : 45 ) ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) ( البقرة : 96 ) لأنهم لم يحرصوا على أصل الحياة حتى تعرف ، بل على الازدياد من نوع ، وإن كان الزائد أقل شيء ينطلق عليه اسم الحياة .

( الثالث ) : التعظيم كقوله تعالى : ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) ( البقرة : 279 ) أي بحرب وأي حرب . وكقوله : ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ( البقرة : 10 ) أي لا يوقف على حقيقته .

وجعل منه السكاكي قوله تعالى : ( إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) [ ص: 81 ] ( مريم : 45 ) والظاهر من قول الزمخشري خلافه ، وهذا لم يصرح بأن العذاب لاحق به ، بل قال : ( يمسك ) وذكر الخوف ، وذكر اسم الرحمن ، ولم يقل " المنتقم " ، وذلك يدل على أنه لم يرد التعظيم .

وقوله : ( أن لهم جنات ) ( البقرة : 25 ) .

فإن قلت : لم لم ينكر الأنهار في قوله : ( من تحتها الأنهار ) قلت : لا غرض في عظم الأنهار وسعتها بخلاف الجنات .

ومنه : ( سلام على إبراهيم ) ( الصافات : 109 ) ( وسلام عليه يوم ولد ) ( مريم : 15 ) .

وإنما لم ينكر سلام عيسى في قوله : ( والسلام علي يوم ولدت ) ( مريم : 83 ) فإنه في حقه دعاء ، به الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى ، والسلام اسم من أسمائه مشتق من السلامة ، وكل اسم ناديته به متعرض لما يشتق منه ذلك الاسم ، نحو : يا غفور ، يا رحيم .

( الرابع ) : التكثير ، نحو : " إن له لإبلا " وجعل منه الزمخشري قوله تعالى : ( إن لنا لأجرا ) ( الأعراف : 113 ) أي أجرا وافرا جزيلا ، ليقابل المأجور عنه من الغلبة على مثل موسى عليه السلام ، فإنه لا يقابل الغلبة عليه بأجر ، إلا وهو عديم النظير في الكثرة .

وقد أفاد التكثير ، والتعظيم معا قوله تعالى : ( وإن يكذبوك فقد كذبت رسل ) ( فاطر : 4 ) أي رسل عظام ذوو عدد كثير ، وذلك لأنه وقع عوضا عن قوله : " فلا تحزن وتصبر " ، وهو يدل على عظم الأمر وتكاثر العدد .

[ ص: 82 ] ( الخامس ) : التحقير ، كقوله تعالى : ( من أي شيء خلقه ) ( عبس : 18 ) قال الزمخشري : أي من شيء حقير مهين ، ثم بينه بقوله : ( من نطفة خلقه ) ( عبس : 19 ) .

وكقوله تعالى : ( إن نظن إلا ظنا ) ( الجاثية : 32 ) أي لا يعبأ به ، وإلا لاتبعوه ، لأن ذلك دينهم ( إن يتبعون إلا الظن ) ( النجم : 23 ) .

( السادس ) التقليل كقوله تعالى : ( ورضوان من الله أكبر ) ( التوبة : 72 ) أي رضوان قليل من بحار رضوان الله الذي لا يتناهى أكبر من الجنات ، لأن رضا المولى رأس كل سعادة . وقوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) ( النحل : 69 ) إذ المعنى أنه يحصل فيه أصل الشفاء في جملة صور ، ويجوز أن يكون للتعظيم .

وعد صاحب الكشاف منه : ( أسرى بعبده ليلا ) ( الإسراء : 1 ) أي بعض الليل .

وفيه نظر ، لأن التقليل عبارة عن تقليل الجنس إلى فرد من أفراده لا ببعض فرد إلى جزء من أجزائه

التالي السابق


الخدمات العلمية