الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 355 ] كتاب مختصر ما يحرم من الرضاعة من كتاب الرضاع ومن كتاب النكاح ومن أحكام القرآن

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " قال الله تعالى فيمن حرم مع القرابة وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وقال صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة . قال الماوردي : أما الرضاع فاسم لمص الثدي وشرب اللبن ، وقد كانت حرمته في الجاهلية منتشرة بينهم ومرعية عندهم ، حكى محمد بن إسحاق أن هوازن لما سبيت وغنمت أموالهم لحنين قدمت وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين ، فقام فيهم زهير بن صرد ، فقال : يا رسول الله : إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك واللائي كن يرضعنك ويكفلنك ، ولو أنا ملحنا أي أرضعنا الحارث بن أبي شمر ، أو النعمان بن المنذر ثم نزلنا بمثل منزلنا منك رجونا عطفهما وفائدتهما ، وأنت خير الكافلين ثم أنشأ يقول :

امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر     امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملؤه من محضها الدرر     إن لم تداركها نعماء نسترها
يا أرجح الناس حلما حين يختبر     إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا : أخيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا فهو أحب إلينا فقال : أما كان لي ولبني هاشم فهو لكم
فرعى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة رضاعه فيهم ، وجرى على معهود العرب معهم من إثبات لحرمة النسب ، ولا حكم لتحريم ولا محرم ، ثم روى أبو الطفيل قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة إذا أقبلت امرأة فدنت إليه فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت : من هذه ؟ فقالوا : أمه التي أرضعته . [ ص: 356 ] فدل هذا الخبر على أن المرضعة تكون أما . وروى محمد بن إسحاق : أنه كان في سبي هوازن الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فعيف بها حتى انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : أنا أخت رسول الله من الرضاعة ، فقال ، وما علامة ذلك قالت : عضة عضضتها في ظهري وأنا متوركتك ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها ممتعة ، فاختارت أن يمتعها وترجع إلى قومها ففعل . فدل هذا الخبر على أن بنت المرضعة أخت من الرضاعة ، فثبت من هذين الخبرين أنها كالنسب ، وإن لم يثبت حكم النسب إلى أن أنزل الله تعالى ما بين به حكم الرضاع في تحريم المناكح تعظيما لحرمته ، فقال حرمت عليكم أمهاتكم [ النساء : 23 ] إلى قوله وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة فسمى المرضعة أما وبنتها أختا تأكيدا ، لما تقدمت به السنة من الاسم وزيادة عليها في الحكم ، وحرمتها كتحريم الأم ؛ لأنها أصل في حفظ حياته كما كانت الوالدة أصلا في إيجاده ، وصارت بنت المرضعة أختا كما كانت بنت الوالدة أختا ، واقتصر على ذكرهما فاحتمل أن يكون تحريم الرضاع مقصورا عليهما ، واحتمل أن يكون متعديا عنهما إلى السبع المحرمات بالأنساب ، فجاءت السنة ببيان ما أريد بالكتاب ، فروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار ، عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة . وروى الشافعي عن سفيان عن ابن جدعان ، عن سعيد بن المسيب يحدث أن علي بن أبي طالب قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لك في بنت عمك حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش ، فقال : أما علمت أن حمزة أخي في الرضاعة ، وإن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب . فدل هذان الحديثان على أن تحريم الرضاعة كتحريم النسب ، فالذي يتعلق عليه من أحكام النسب حكمان : أحدهما : تحريم المناكح ، لذكره في آية التحريم . والثاني : ثبوت المحرم في إباحة النظر إليها والخلوة معها . روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفلح ، أخي أبي القعيس هل يدخل عليها ؟ وكانت امرأة أبي قعيس قد أرضعتها ، فقال : ليلج عليك ، فإنه عمك من الرضاعة ، وقالت عائشة : يا رسول الله ، إني أسمع صوت رجل في منزلك [ ص: 357 ] عند حفصة ، فقال : أراه عمها من الرضاعة . فأما ما عدا هذين الحكمين من الميراث والنفقة والولاية والحضانة وسقوط القود ، وتحمل العقل والعتق بالملك والمنع من الشهادة ، فإنه مختص بالنسب دون الرضاعة وقد سمى الله تعالى بالأم ثلاثة أصناف من النساء : الوالدة ، والمرضعة وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فالوالدة مستوجبة لجميع أحكام النسب ، والمرضعة مقصورة على حكمين التحريم والمحرم ، وفي أزواج الرسول وجهان : أحدهم : يشاركن المرضعة في التحريم والمحرم . والثاني : ينفردن بالتحريم دون المحرم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث