الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فاعتزلوا النساء في المحيض "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( فاعتزلوا النساء في المحيض )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فاعتزلوا النساء في المحيض " ، فاعتزلوا جماع النساء ونكاحهن في محيضهن كما : -

4238 - حدثني علي بن داود قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : " فاعتزلوا النساء في المحيض " ، يقول : اعتزلوا نكاح فروجهن .

واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض .

فقال بعضهم : الواجب على الرجل اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه .

ذكر من قال ذلك :

4239 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا حماد بن مسعدة قال : حدثنا عوف عن محمد قال : قلت لعبيدة : ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضا ؟ قال : الفراش واحد ، واللحاف شتى . [ ص: 376 ]

4240 - حدثني تميم بن المنتصر قال : أخبرنا يزيد قال : حدثنا محمد عن الزهري عن عروة عن ندبة مولاة آل عباس قالت : بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو : حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس وكانت بينهما قرابة من قبل النساء ، فوجدت فراشها معتزلا فراشه ، فظننت أن ذلك عن الهجران ، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها ، فقالت : إني طامث ، وإذا طمثت اعتزل فراشي . فرجعت فأخبرت بذلك ميمونة - أو حفصة - فردتني إلى ابن عباس تقول لك أمك : أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض ، وما بينه وبينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتين .

4241 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا ابن علية عن أيوب وابن عون عن محمد قال : قلت لعبيدة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : الفراش واحد واللحاف شتى ، فإن لم يجد إلا أن يرد عليها من ثوبه رد عليها منه . [ ص: 377 ]

واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهن ، ولم يخصص منهن شيئا دون شيء ، وذلك عام على جميع أجسادهن ، واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن في حيضهن .

وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن موضع الأذى ، وذلك موضع مخرج الدم .

ذكر من قال ذلك :

4242 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال : حدثنا مروان الأصفر عن مسروق بن الأجدع قال : قلت لعائشة : ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع . [ ص: 378 ]

4243 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا سعيد بن زريع قال : حدثنا سعيد وحدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا عن عائشة أنها قالت : وأين كان ذو الفراشين وذو اللحافين ؟ !

4244 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال : قلت لعائشة : ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : فرجها .

4245 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة : أن مسروقا ركب إلى عائشة فقال : السلام على النبي وعلى أهل بيته . فقالت عائشة : أبو عائشة ! مرحبا ! فأذنوا له فدخل ، فقال : إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي ! فقالت : إنما أنا أمك وأنت ابني ! فقال : ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ قالت له : كل شيء إلا فرجها .

4246 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن أبي زائدة قال : حدثنا حجاج عن ميمون بن مهران عن عائشة قالت : له ما فوق الإزار . [ ص: 379 ]

4247 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية قال : أخبرنا أيوب عن نافع : أن عائشة قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار .

4248 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي معشر قال : سألت عائشة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ فقالت : كل شيء إلا الفرج .

4249 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم بن الحارث قال : قال ابن عباس : إذا جعلت الحائض على فرجها ثوبا أو ما يكف الأذى ، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها .

4250 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن إدريس قال : حدثنا يزيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنه سئل : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قال : ما فوق الإزار .

4251 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا الحكم بن فضيل عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال : اتق من الدم مثل موضع النعل . [ ص: 380 ]

4252 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية قال : أخبرنا أيوب عن عكرمة عن أم سلمة قالت في مضاجعة الحائض : لا بأس بذلك إذا كان على فرجها خرقة .

4253 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال : للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج - يعني وهي حائض .

4254 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن قال : يبيتان في لحاف واحد - يعني : الحائض - إذا كان على الفرج ثوب .

4255 - حدثنا تميم قال : أخبرنا إسحاق عن شريك عن ليث قال : تذاكرنا عند مجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض ، قال : اطعن بذكرك حيث شئت فيما بين الفخذين والأليتين والسرة ، ما لم يكن في الدبر أو الحيض .

4256 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال : يباشر الرجل امرأته وهي حائض ؟ قال : إذا كفت الأذى .

4257 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثني [ ص: 381 ] عمران بن حدير قال سمعت عكرمة يقول ، كل شيء من الحائض لك حلال غير مجرى الدم .

قال أبو جعفر : وعلة قائل هذه المقالة ، قيام الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حيض ، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله : " فاعتزلوا النساء في المحيض " ، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض . وإذا كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبلها ، دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها .

وقال آخرون : بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن في حال حيضهن ، ما بين السرة إلى الركبة ، وما فوق ذلك ودونه منها .

ذكر من قال ذلك :

4258 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون عن ابن سيرين عن شريح قال : له ما فوق السرة - وذكر الحائض .

4259 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال : أخبرنا يزيد عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن الحائض : ما لزوجها منها؟ فقال : ما فوق الإزار .

4260 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية عن أيوب وابن عون عن محمد قال : قال شريح : له ما فوق سرتها .

4261 - حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن واقد [ ص: 382 ] بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال : سئل سعيد بن المسيب : ما للرجل من الحائض؟ قال : ما فوق الإزار .

وعلة من قال هذه المقالة ، صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : -

4262 - حدثني به ابن أبي الشوارب قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : حدثنا سليمان الشيباني وحدثني أبو السائب قال : حدثنا حفص قال : حدثنا الشيباني قال حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال : سمعت ميمونة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض ، أمرها فأتزرت " .

4263 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا سفيان عن الشيباني عن عبد الله بن شداد عن ميمونة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار .

4264 - حدثني سفيان بن وكيع قال : حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا ، أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها .

4265 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا المحاربي عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر ، ثم يباشرها . [ ص: 383 ]

ونظائر ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب

قالوا : فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز ، وهو مباشرة الحائض ما دون الإزار وفوقه ، وذلك دون الركبة وفوق السرة ، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجب اعتزاله ، لعموم الآية .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتزر ودونه ، لما ذكرنا من العلة لهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث