الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما

( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم )

قوله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم )

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه :

أحدها : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال : ( ولأتم نعمتي عليكم ) وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعي هاجر بين الجبلين ، فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية .

وثانيها : أنه تعالى لما قال : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) إلى قوله : ( وبشر الصابرين ) قال : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) وإنما جعلهما كذلك ؛ لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى ، واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات .

وثالثها : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة :

أحدها : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) [ البقرة : 152 ] فإن كل عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول .

وثانيها : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن ، فإن ذلك كالمستقبح في العقول ؛ لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه ، فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه ، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا .

وثالثها : الأمر الذي لا يهتدى لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالي عن [ ص: 143 ] المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث