الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 7 ] أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم



اسمه عبد الله - ويقال عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه

روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين ، من آخرهم : أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم ، ومرة الطيب .

قال ابن أبي مليكة وغيره ، إنما كان عتيق لقبا له .

وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق " .

وقال ابن معين : لقبه عتيق ؛ لأن وجهه كان جميلا ، وكذا قال الليث بن سعد .

وقال غيره : كان أعلم قريش بأنسابها أبو بكر .

وقيل : كان أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم .

وكان أول من آمن من الرجال .

وقال ابن الأعرابي : العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة : عتيق .

[ ص: 8 ] وعن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر .

وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه .

وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " .

وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار .

وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " .

وقال أبو سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ، ولا يحبهما منافق " .

وقال الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي [ ص: 9 ] بكر وعمر ، فقال : " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين ، ولا تخبرهما يا علي " وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر بن حبيش ، وعن عاصم بن ضمرة ، وهرم ، عن علي . وقال طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله .

وقال محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مثله . أخرجه الترمذي قال : حديث حسن غريب . ثم رواه من حديث الموقري ، عن الزهري ، ولم يصح .

قال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " .

روى مثله ابن عباس ، فزاد : " ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة الخوخة : باب صغير كالنافذة . في المسجد غير خوخة أبي بكر " .

هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن عمر أنه قال : أبو بكر سيدنا وخيرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صححه الترمذي . [ ص: 10 ] وصحح من حديث الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لعائشة أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة ، قلت : ثم من ؟ فسكتت .

مالك في " الموطأ " عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " متفق على صحته .

وقال أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي المعلى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، والأول أصح . [ ص: 11 ] وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " قال الترمذي : حديث حسن غريب .

وكذا قال في حديث كثير النواء ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار " .

وروى عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " تفرد به عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، وهو متروك الحديث .

وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " متفق على صحته .

وقال أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن علي ، قال : لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد وما بي مرض ، فرضينا [ ص: 12 ] لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا .

وقال صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . هذا حديث صحيح .

وقال نافع بن عمر : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ، لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال : " يأبى الله ذلك والمسلمون " تابعه غير واحد ، منهم عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، ولفظه : " معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر " .

وقال زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ، رضي الله عنه .

وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما صاحبكم هذا [ ص: 13 ] فقد غامر " . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت " .

وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، قال : حدثني أبو خالد مولى جعدة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة " فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه ، قال : " أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي " أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث .

وقال إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي البختري ، قال : قال عمر لأبي عبيدة : ابسط يدك حتى أبايعك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنت أمين هذه الأمة " ، فقال : ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا ، فأمنا حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال أبو بكر بن عياش : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ؛ لأن في القرآن في المهاجرين : أولئك هم الصادقون [ الحجرات ] فمن سماه الله صادقا لم يكذب ، هم سموه ، وقالوا : يا خليفة رسول الله .

وقال إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، [ ص: 14 ] قال : لما بويع أبو بكر بالخلافة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث