الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية .

[ ص: 324 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : ومن لم يحكم يقول : من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق .

وأخرج سعيد بن منصور ، والفريابي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن ابن عباس في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال : هي به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن عطاء بن أبي رباح في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ، قال : كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق .

وأخرج سعيد بن منصور ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : [ ص: 325 ] إنما نزل الله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون، والفاسقون في اليهود خاصة .

وأخرج ابن جرير ، عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فأولئك هم الظالمون ، فأولئك هم الفاسقون ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار .

وأخرج ابن جرير ، عن الضحاك في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، والظالمون، والفاسقون، قال : نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن عكرمة قال : نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن إبراهيم النخعي في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله الآيات، قال : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن الحسن في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال : نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن الشعبي قال : الثلاث آيات التي في المائدة : ومن لم يحكم بما أنزل الله أولها في هذه الأمة، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن زيد في قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال : من حكم بكتابه الذي كتب بيده، وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه، عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، والظالمون، والفاسقون، فقال رجل : إن هذا في بني إسرائيل، قال حذيفة : نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة، ولهم كل مرة، كلا والله، لتسلكن طريقهم قد الشراك . [ ص: 327 ] وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس قال : نعم القوم أنتم، إن كان ما كان من حلو فهو لكم، وما كان من مر فهو لأهل الكتاب، كأنه يرى أن ذلك في المسلمين، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، عن أبي مجلز أنه أتاه الناس، فقالوا : يا أبا مجلز، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ؟ قال : نعم، قالوا : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ؟ قال : نعم، قالوا : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ؟ قال : نعم، قالوا : فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله؟ قال : نعم، هو دينهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون، وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئا علموا أنه جور منهم، إنما هذه لليهود والنصارى والمشركين الذين لا يحكمون بما أنزل الله .

وأخرج عبد بن حميد ، عن حكيم بن جبير قال : سألت سعيد بن جبير، عن هذه الآيات في المائدة : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون فقلت : زعم قوم أنها [ ص: 328 ] نزلت على بني إسرائيل، ولم تنزل علينا، قال : اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه، فقال : لا، بل نزلت علينا، ثم لقيت مقسما مولى ابن عباس ، فسألته عن هؤلاء الآيات التي في المائدة قلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل، ولم تنزل علينا، قال : إنه قد نزل على بني إسرائيل، ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم، فهو لنا ولهم، ثم دخلت على علي بن الحسين، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير، ومقسما، قال : فما قال لك مقسم؟ فأخبرته بما قال، قال : صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه : كيف رأيته؟ لقد وجدت له فضلا عليك وعلي وعلى مقسم .

وأخرج سعيد بن منصور ، عن عمر قال : ما رأيت مثل من قضى بين اثنين بعد هؤلاء الآيات الثلاث .

وأخرج سعيد بن منصور ، عن عمر قال : ما رأيت من قضى بين اثنين بعد هؤلاء الآيات الثلاث .

وأخرج ابن سعد، عن يحيى بن سعيد قال : استعمل أبو الدرداء على القضاء فأصبح يهنئونه، فقال : أتهنئوني بالقضاء، وقد جعلت على رأس مهواة مزلتها أبعد من عدن أبين، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول [ ص: 329 ] رغبة عنه، وكراهية له، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصا عليه .

وأخرج ابن سعد، عن يزيد بن موهب، أن عثمان قال لعبد الله بن عمر : اقض بين الناس، قال : لا أقضي بين اثنين، ولا أؤم اثنين، فقال عثمان : أتعصيني؟ قال : لا، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة، رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له، ولا وزر عليه، قال : فإن أباك كان يقضي، قال : إن أبي كان يقضي، فإذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل، أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ)؟ فقال عثمان : بلى، قال : فإني أعوذ بالله أن تستعملني، فأعفاه، وقال : لا تخبر بهذا أحدا .

وأخرج الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه [ ص: 330 ] أن يجعل بينه وبينه علما إذا هو قضى بالحق، عرف ذلك، وإذا هو قصر به عرف ذلك، فقيل له : ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار، فاخطط عندها خطا، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط، فامدد يدك إليه، فإنك متى كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء، وهو مجتهد، وكان لا يقضي إلا بالحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله، وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل، أو مطعم، أو مشرب، فلما كان ذات يوم، وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان يريدانه، فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقا وخدنا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له، فيقضي له به، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه، فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط، فإذا الخط قد ذهب، وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه، فخر ساجدا وهو يقول : يا رب، شيئا لم أتعمده، ولم أرده فبينه لي، فقيل له : أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به، قد أردته، وأحببته، ولكن الله قد رد الحق إلى أهله، وأنت لذلك كاره . [ ص: 331 ] وأخرج الحكيم الترمذي، عن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خصمان فأقامهما، ثم عادا، ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال : تقدما إلي، فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك، ثم عادا، فوجدت بعض ذلك فكرهت، ثم عادا، وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث