الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ هل يجوز للمقلد أن يفتي ؟ ] الفائدة العشرون : لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه ، هذا إجماع من السلف كلهم ، وصرح به الإمام أحمد والشافعي رضي الله عنهما وغيرهما .

قال أبو عمرو بن الصلاح : قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه .

وقال : وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب ، ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه ، وخالفه الشيخ أبو محمد وقال : لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه ، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها ، وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به .

وقال أبو عمرو : من قال " لا يجوز له أن يفتي بذلك " معناه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه ، بل يضيفه إلى غيره ، ويحكيه عن إمامه الذي قلده .

فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين ، ولكنهم قاموا مقام المفتين ، [ ص: 150 ] وادعوا عنهم فعدوا منهم ، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا : مذهب الشافعي كذا وكذا ، ومقتضى مذهبه كذا وكذا ، وما أشبه ذلك ، ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس .

قلت : ما ذكره أبو عمرو حسن ، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول " مذهب الشافعي " لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به ، أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه ، كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة ، والقنوت في الفجر ، ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض من الليل ، ونحو ذلك ، فأما مجرد ما يجد في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع فلا يسعه أن يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم ، فكم فيها من مسألة لا نص له فيها ألبتة ولا ما يدل عليه ؟ وكم فيها من مسألة نصه على خلافها ؟ وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه ؟ فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها ، وهذا يضيف إليه نفيها ، فلا ندري كيف يسع المفتي عند الله أن يقول : هذا مذهب الشافعي ، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة ؟ .

وأما قول الشيخ أبي عمرو " إن لهذا المفتي أن يقول هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا " فلعمر الله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالما بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا ، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

وبالجملة فالمفتي مخبر عن الحكم الشرعي ، وهو إما مخبر عما فهمه عن الله ورسوله ، وإما مخبر عما فهمه من كتابه أو نصوص من قلده دينه ، وهذا لون وهذا لون ، فكما لا يسع الأول أن يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلده دينه إلا بما يعلمه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث