الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق

وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق .

الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات ، فلا جرم أن هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله ، وهي المحرم أكلها . فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنه حاصل بالمقامرة ، فتكون السين والتاء في تستقسموا مزيدتين كما هما في قولهم : استجاب واستراب . والمعنى : وأن تقسموا اللحم بالأزلام .

ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله : هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضر . وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مرادا من النهي أيضا ، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه ، فتكون إرادته إدماجا وتكون السين والتاء للطلب ، أي طلب القسم . وطلب القسم بالكسر أي الحظ من خير أو ضده ، أي طلب معرفته . كان العرب كغيرهم من المعاصرين ، مولعين بمعرفة الاطلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة ، وكانوا يتوهمون بأن الأصنام والجن يعلمون تلك المغيبات ، فسولت سدنة الأصنام لهم طريقة يموهون عليهم بها فجعلوا أزلاما . والأزلام جمع زلم بفتحتين ويقال له : قدح - بكسر القاف وسكون الدال وهو عود سهم لا حديدة فيه .

[ ص: 97 ] وكيفية استقسام الميسر : المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه ، وتلك عشرة سهام تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر الآية في سورة البقرة . وكان مقتضى الظاهر أن يقال : وما استقسمتم عليه بالأزلام ، فغير الأسلوب وعدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام ، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما ، وذلك إدماج بديع .

وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح : أحدهما مكتوب عليه ( أمرني ربي ) وربما كتبوا عليه ( افعل ) ويسمونه الآمر . والآخر مكتوب عليه ( نهاني ربي ) ، أو ( لا تفعل ) ويسمونه الناهي . والثالث غفل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف أي متروك بدون كتابة . فإذا أراد أحدهم سفرا أو عملا لا يدري أيكون نافعا أم ضارا ، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلام ، فإذا خرج الذي عليه كتابة ، فعلوا ما رسم لهم ، وإذا خرج الغفل أعادوا الإجالة . ولما أراد امرؤ القيس أن يقوم لأخذ ثأر أبيه حجر ، استقسم بالأزلام عند ذي الخلصة ، صنم خثعم ، فخرج له الناهي فكسر القداح وقال :


لو كنت يا ذا الخلص الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا     لم تنه عن قتل العداة زورا

وقد ورد ، في حديث فتح مكة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال كذبوا والله إن استقسم بها قط وهم قد اختلقوا تلك الصورة ، أو توهموها لذلك ، تنويها بشأن الاستقسام بالأزلام ، وتضليلا للناس الذين يجهلون .

وكانت لهم أزلام أخرى عند كل كاهن من كهانهم ، ومن حكامهم ، وكان منها عند هبل في الكعبة سبعة قد كتبوا على كل واحد شيئا من أهم ما [ ص: 98 ] يعرض لهم في شئونهم ، كتبوا على أحدها العقل في الدية ، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم ; وأزلام لإثبات النسب ، مكتوب على واحد ( منكم ) ، وعلى واحد ( من غيركم ) ، وفي آخر ( ملصق ) . وكانت لهم أزلام لإعطاء الحق في المياه إذا تنازعوا فيها . وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النذر الذي نذره أن يذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل ، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له : ارض الآلهة فزاد عشرة حتى بلغ مائة من الإبل فخرج الزلم على الإبل فنحرها . وكان الرجل قد يتخذ أزلاما لنفسه ، كما ورد في حديث الهجرة أن سراقة بن مالك لما لحق النبيء - صلى الله عليه وسلم - ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم الأزلام فخرج له ما يكره .

والإشارة في قوله ذلكم فسق راجعة إلى المصدر وهو أن تستقسموا . وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتى يقع الحكم على متميز معين .

والفسق : الخروج عن الدين ، وعن الخير ، وقد تقدم عند قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين في سورة البقرة .

وجعل الله الاستقسام فسقا لأن منه ما هو مقامرة ، وفيه ما هو من شرائع الشرك ، لتطلب المسببات من غير أسبابها ، إذ ليس الاستقسام سببا عاديا مضبوطا ، ولا سببا شرعيا ، فتمحض لأن يكون افتراء ، مع أن ما فيه من توهم الناس إياه كاشفا عن مراد الله بهم ، من الكذب على الله ، لأن الله نصب لمعرفة المسببات أسبابا عقلية : هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل ، أو من أدلته ، كالتجربة ، وجعل أسبابا لا تعرف سببيتها إلا بتوقيف منه على لسان الرسل : كجعل الزوال سببا للصلاة . وما عدا ذلك كذب وبهتان ، فمن أجل ذلك كان فسقا ، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادعاء معرفة الغيوب .

[ ص: 99 ] وليس من ذلك تعرف المسببات من أسبابها كتعرف نزول المطر من السحاب ، وترقب خروج الفرخ من البيضة بانقضاء مدة الحضانة ، وفي الحديث : " إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة " أي سحابة من جهة بحرهم ، ومعنى ( عين ) أنها كثيرة المطر .

وأما أزلام الميسر ، فهي فسق ، لأنها من أكل المال بالباطل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث