الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 2 ] كتاب ذم الغضب والحقد والحسد .

وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين .

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله الذي لا يتكل على عفوه ، ورحمته ، إلا الراجون ولا يحذر سوء غضبه ، وسطوته إلا الخائفون الذي استدرج عباده من حيث لا يعلمون وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون وابتلاهم بالغضب وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ، ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر كيف يعملون ، وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون وعرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون وما يعلنون وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون فقال : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون والصلاة والسلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديون والسادة المرضيون صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق الله وما سيكون ويحظى ببركتها الأولون والآخرون وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد : فإن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد كاستخراج الحجر النار من الحديد وقد انكشف للناظرين بنور اليقين أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان ؛ حيث قال : خلقتني من نار وخلقته من طين فإن شأن الطين السكون ، والوقار وشأن النار التلظي والاستعار والحركة ، والاضطراب ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وبهما هلك من هلك ، وفسد من فسد ، ومفيضهما مضغة إذا صلحت صلح معها سائر الجسد وإذا كان الحقد ، والحسد ، والغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب فما أحوجه إلى معرفة معاطبه ومساويه ليحذر ذلك ويتقيه ويميطه عن القلب إن كان وينفيه ويعالجه إن رسخ في قلبه ، ويداويه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ومن عرفه ، فالمعرفة لا تكفيه ما لم يعرف الطريق الذي به يدفع الشر ، ويقصيه .

ونحن نذكر ذم الغضب ، وآفات الحقد ، والحسد في هذا الكتاب ، ويجمعها .

[ ص: 2 ]

التالي السابق


[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليما

الحمد لله الفرد الصمد، الواحد الأحد، الذي على فضله المعول، وعلى كرمه المعتمد، الولي الذي هدى، وأرشد، ووفق وأسعد، وأبان طريق الغي والرشد، خلق الإنسان، ودبر الأكوان، وهو على ما كان لا يتغير، ولا يتجدد، أحمده سبحانه حمد عبد سلك الواضح الجدد، وتخلى عن ظلمات اللجاج واللدد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له; شهادة تسدد قائلها في كل قبول ورد، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله، السيد السند، المختار المنتقى المفضل الأمجد، الذي بعث نبيا، وآدم بين الروح والجسد، أفضل من لربه عبد، وعلى آله وصحبه وتابعيهم، ووارثي علومهم، صلى الله عليه وعليهم وسلم صلاة وسلاما يدومان بدوام الأبد، ما حيعل الداعي وقال: أشهد، أو ناح قمري على الأراك وغرد

(وبعد)

فهذا شرح (كتاب ذم الغضب والحقد والحسد) ، وهو الخامس من الربع الثالث من كتاب الإحياء للإمام حجة الإسلام، قطب الإحياء، أبي حامد محمد بن محمد الغزالي; سقاه الله من رحيق الرضوان، وصب عليه من شآبيب الغفران; يحل جواهر ألفاظه الغريبة، ويدل على إشارات معانيه العجيبة، ويفتح قلاع نوادره المستغربة، ويورد الراغب إلى حياض مناهله المستعذبة، مقتبسا من مشكاة أنوار النبوة، مقتنصا من إلهام أسرار الفتوة، مستعينا بالله في إجازة هذا الأمر الخطير معتصما به في تيسير كل عسير، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو على كل شيء قدير .

قال المصنف - رحمه الله تعالى -: (بسم الله الرحمن الرحيم) الذي يستعان به على كل خلق كريم، ويستعاذ به من كل طبع ذميم، (الحمد لله الذي لا يتكل على عفوه، ورحمته، إلا الراجون) الاتكال هو الاعتماد، أي: لا يعتمد الراجون إلا على عفوه، ورحمته، ولولا عفوه، ورحمته ما تم لهم مقام الرجاء، (ولا يحذر سوء غضبه، وسطوته إلا الخائفون) ، أي: لا يخشى الخائفون [ ص: 3 ] إلا سطوته، وغضبه، وبه تم لهم مقام الخوف، فالمؤمن بين رجاء وخوف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ويرجون رحمته ويخافون عذابه وقدم الرجاء نظرا لعموم رحمته، وشمول عفوه، فقد ورد: سبقت رحمتي غضبي، (الذي استدرج عباده) ، أي: أخذهم قليلا قليلا على الإمهال (من حيث لا يعلمون) ، أشار به إلى قوله تعالى في آخر الأعراف: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (وسلط عليهم الشهوات) ، وهي كل ما تنزع إليه النفوس فيما تريده، ولا تتمالك منه، (وأمرهم بترك ما يشتهون) واجتناب ما إليه ينزعون، (وابتلاهم بالغضب) ، وهو تغير يحصل عند ثوران دم القلب لإرادة الانتقام، (وكلفهم كظم الغيظ) ، أي: كفه، وستره، والغيظ أشد الحمق، وكظمه الإمساك في النفس على صفح أو غيظ، (فيما يغضبون، ثم حفهم بالمكاره) جمع مكروه، وهو كل ما فيه قبح، أو مشقة، وحفهم: أحاط بهم (واللذات) جمع لذة، وهي إدراك الملائم من حيث هو ملائم، وقيد الحيثية للاحتراز من إدراك الملائم من حيث ملاءمته، فليس بلذة كالدواء النافع المر، فإنه ملائم من حيث إنه نافع لا من حيث إنه لذيذ، (وأملى لهم) ، أي: أمهل (لينظر كيف يعملون، وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون) ، هل هم صادقون في دعوى حبهم أم كاذبون؟ (وعرفهم) على ألسنة رسله الكرام (أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون) ، أي: يخفونه (ويعلنون) ، أي: يظهرونه، (وحذرهم) ، أي: خوفهم (بأن يأخذهم بغتة) ، أي: فجأة على غفلة (وهم لا يشعرون) ، أشار به إلى قوله تعالى: أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (فقال: ما ينظرون) ، أي: ما ينتظرون (إلا صيحة واحدة) ، وهي النفخة الأولى (تأخذهم وهم يخصمون) ، أي: يختصمون في أحوالهم لا يخطر ببالهم أمر ما، (فلا يستطيعون توصية) في شيء من أمورهم، (ولا إلى أهلهم يرجعون) فيروا حالهم، بل يموتون حيث نبعثهم .

(والصلاة على) سيدنا (محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه) يوم القيامة (النبيون) ; إذ هو صلى الله عليه وسلم، قائد جيش الأنبياء والمرسلين، وبيده لواء الحمد، (وعلى آله وأصحابه الأئمة) جمع إمام، وهو كل من يقتدى به، (المهديون) جمع مهدي، وهو من اهتدى إلى طريق الحق بهداية الله تعالى، واكتفى به عن الهادين; إذ كل مهدي في نفسه يتصور منه أن يكون هاديا لغيره، وأما الهادي فقد يهدي غيره، ولا يهتدي بنفسه، (والسادة المرضيون) أي: المقبولون عند الله، وقد ثبت رضا الله عنهم بنص القرآن، (صلاة يوازي) ، أي: يقابل (عددها عدد ما كان من خلق الله) فيما مضى (وما سيكون) في الحال والآتي، ولا يحيط بعدد ذلك إلا من خلقهم، (ويحظى ببركتها الأولون) من الأمم الماضية (والآخرون) اللاحقون بهم، والحظوة بالضم والكسر: رفعة المنزلة، (وسلم) تسليما (كثيرا .

أما بعد: فإن الغضب شعلة النار) الإضافة بيانية، أي: شعلة من نار، (اقتبست من نار الله الموقدة) التي أوقدها الله، وما أوقده لا يقدر أن يطفئه غيره، (التي تطلع) أي: تعلو (على الأفئدة) ، أي: على أوساط القلوب، وتشتمل عليها، وتخصيصها بالذكر; لأن الفؤاد ألطف ما في البدن، وأشد تألما، أو لأنه منشأ الأعمال القبيحة، (وأنها المستكنة) ، أي: المخفية (في طي الفؤاد) ، أي: داخل القلب (استكنان الجمر) ، أي: خفاءه (تحت الرماد) ، وهو اسم لما خمد من النار، (ويستخرجها الكبر) المحيط بالكبد (الدفين في قلب كل جبار عنيد) ، أي: ظالم معاند، فالقوة تظهرها والعجز يخفيها، (كما يستخرج الحجر النار من الحديد) ، وأصل الكلام: كما يستخرج الحديد النار من الحجر، والمراد به: حجر القداح، فإذا ضرب الحديد عليه خرجت النار، (وقد انكشف للناظرين بنور اليقين) حقائق الأشياء على ما هي عليها، ومن ذلك (أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين) يقال: نزعه عرق منه إذا جذبه إليه، وأشبهه، ومنه الخبر: العرق نزاع، وفي لفظ: دساس (فمن استفزته نار الغضب) ، أي: استخفته (فقد قويت فيه قرابة الشيطان؛ حيث قال: خلقتني من نار وخلقته من طين ) ، وكذا قوله تعالى: وخلق الجان من مارج من نار فمن هنا ظهرت القرابة (فإن شأن الطين السكون، والوقار) ، واللصوق إلى الأرض، وإذا رمي به إلى العلو، فلا بد له من النزول إلى تحت، (وشأن النار التلظي) ، أي: التلهب (والاستعار [ ص: 4 ] والحركة، والاضطراب) ، وإذا خليت بنفسها طلبت العلو، وهذه الأوصاف تضاد أوصاف الطين .

(ومن نتائج الغضب الحقد) بالكسر، وهو الانطواء على العداوة، والبغضاء (والحسد) محركة، وهو ظلم ذي النعمة بتمني زوالها، وصيرورتها إلى الحاسد، (وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد، ومفيضهما مضغة) صنوبرية (إذا صلحت صلح سائر الجسد) ، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، وهي القلب كما ورد ذلك في الخبر .

(فإذا كان الحقد، والحسد، والغضب مما يسوق العبد ويجره إلى مواطن العطب) ، أي: الهلاك (فما أحوجه إلى معرفة معاطبه) ، أي: مهالكه (ومساويه) جمع مسوى، أي: مواطنه (ليحذر ذلك ويتقيه) ، أي: يتجنب عنه (ويميطه) ، أي: يزيله (عن القلب إن كان) ، أي: وجد، (وينفيه) ، أي: يطرده، وفي بعض النسخ: وينقيه من التنقية، أي: يخلصه (ويعالجه إن رسخ في قلبه، ويداويه) بما يقلعه عنه، (فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) ، وهو من الأمثال المشهورة، وقد نظمه بعض، فقال:


عرفت الشر لا للش ر لكن لأوقاه

(ومن عرفه، فالمعرفة) وحدها (لا تكفيه ما لم يعرف الطريق الذي به يدفع الشر، ويقصيه) ، أي: يبعده .

(ونحن نذكر ذم الغضب، وآفات الحقد، والحسد في هذا الكتاب، ويجمعها بيان ذم الغضب) بالأخبار والآثار، (ثم بيان حقيقة الغضب) ما هي؟ (ثم بيان أن الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة) ، والتهذيب (أم لا؟ ثم بيان الأسباب المهيجة) ، أي: الباعثة المحركة للغضب، (ثم بيان علاج الغضب بعد هيجانه) ، وتمكنه منه، (ثم بيان فضيلة كظم الغيظ، ثم بيان فضيلة الحلم) بالصفح والإمساك، (ثم بيان القدر الذي به يحوز الانتصار، والتشفي به من الكلام، ثم القول في معنى الحقد، ونتائجه) ، أي: ما يتولد منه من القبائح، (وفضيلة العفو، والرفق، ثم القول في ذم الحسد، وفي حقيقته، وأسبابه، ومعالجته، وغاية الواجب في إزالته) ودفعه، (ثم بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال، والأقران، والإخوة، وبني العم، والأقارب، وتأكده، وقلته في غيرهم، وضعفه، ثم بيان الدواء الذي به ينفى) ، أي: يطرد (مرض الحسد عن القلب، ثم بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث