الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 414 ] كتاب النفقات مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " قال الله عز وجل : ذلك أدنى ألا تعولوا [ النساء : 3 ] أي لا يكثر من تعولون ( قال ) وفيه دليل على أن على الزوج نفقة امرأته فأحب أن يقتصر الرجل على واحدة وإن أبيح له أكثر وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم ؛ فهل علي في ذلك من جناح ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف و جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار فقال " أنفقه على نفسك " قال عندي آخر ، قال " أنفقه على ولدك " ، قال عندي آخر ، فقال " أنفقه على أهلك " ، قال عندي آخر قال " أنفقه على خادمك ، قال عندي آخر ، قال أنت أعلم قال سعيد المقبري : ثم يقول أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث : يقول ولدك أنفق علي إلى من تكلني ؟ وتقول زوجتك أنفق علي أو طلقني ، ويقول خادمك أنفق علي أو بعني " . قال الماوردي : أما وجوب النفقات بأسبابها المستحقة ، فمما لا يجد الناس بدا منه لعجز ذوي الحاجة عنها وقدرة ذوي المكنة عليها ليأتلف الخلق بوجود الكفاية : فجعلها للأباعد زكاة لا تتعين لبعضهم على بعض لعمومها فيهم ، وجعلها للأقارب بأنساب وأسباب معونة ومواساة تتعين لمن تجب له وعليه لتعين موجبها من نسب أو سبب فمن ذلك نفقات الزوجات . واجبة على الأزواج بالكتاب والسنة والمعقول . فأما الكتاب فقـوله تعالى : قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم [ الأحزاب : 50 ] ، فدل على وجوب النفقة ؛ لأنها من الفرض ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله [ الطلاق : 7 ] ، فأمره بها في يساره وإعساره ، وقال تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [ النساء : 34 ] ، فدلت على وجوب النفقة من وجهين : معقول ونص ، فالمعقول منها قوله جل وعز : الرجال قوامون على النساء ، والقيم على غيره هو المتكفل بأمره ، والنص منها قوله [ ص: 415 ] وبما أنفقوا من أموالهم ، وقال تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [ البقرة : 233 ] ، فنص على وجوبها بالولادة في الحال التي تتشاغل بولدها عن استمتاع الزوج ؛ ليكون أدل على وجوبها عليه في حال استمتاعه بها . وقال تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [ الطلاق : 6 ] ، فلما أوجب نفقتها بعد الفراق إذا كانت حاملا كان وجوبها قبل الفراق أولى ، وقال تعالى : فيما استدل به الشافعي : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا [ النساء : 3 ] ، قال الشافعي معناه ألا يكثر من تعولون ، فلولا وجوب النفقة عليه لما كان لخشية العيال تأثير ، فاعترض على الشافعي ابن داود وبعض أهل اللغة في تأويل هذه الآية ، وقالوا : معنى عال يعول أي جار يجور ، فأما كثرة العيال فيقال فيه أعال يعيل فكان العدول عن هذا التأويل جهلا بمعنى اللغة وغفلة عما تقدم في الآية من قوله تعالى : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة [ النساء : 3 ] والجواب عن هذا الاعتراض من ثلاثة أوجه : أحدها : أن تأويل الشافعي أصح لشاهدي شرح ولغة . فأما الشرح فما روي عن ابن مسعود أنه قرأ ذلك أدنى أن لا يكثر من تعولون ، فكان هذا التأويل في قراءة ابن مسعود لفظا متلوا حكاه التاجي عن الفراء ؛ قال اخترت من قراءة ابن مسعود . وروى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول . وأما اللغة فقد حكى ثعلب عن سلمة عن الفراء عن الكسائي أنه قال : سمعت العرب تقول : عال يعول ، معناه كثر عياله ، قال ابن الأنباري : ومنه أخذ عول الفرائض لكثرة سهامها ، فهذا جواب ، والجواب الثاني أن من الأبنية المشتركة ثلاثة معان ؛ يقال عال يعول . بمعنى جار يجور . وبمعنى كان يكون . وبمعنى أكثر العيال . فهو بكثرتهم . فتناوله الشافعي بأحد معانيه ، وبه قال ابن مسعود وزيد بن أسلم وطائفه . والجواب الثالث : أن حقيقته في اللغة ما ذكروه ، ومجازه فيها ما ذكرناه ، فكان حمله على مجازه دون حقيقته أولى من وجهين : أحدهما : أن حقيقته في الجور قد استفيدت بقوله تعالى : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة وحمله على كثرة العيال مستفاد بمجاز قوله تعالى : ذلك أدنى ألا تعولوا ليكون حمل الآية على معنيين أولى من حملها على أحدهما : والثاني : أن كثرة العيال يؤول إلى الجور فعبر عنه بالجور ؛ لأنه يؤول إليه ، كما قال تعالى : إني أراني أعصر خمرا [ يوسف : 36 ] ، ولم يعصر إلا عنبا فسماه خمرا [ ص: 416 ] لأنه يؤول إلى أن يصير خمرا ، وهذا مشهور في كلام العرب وأشعارهم . وأما السنة في نفقات الزوجات ، فما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله معي دينار ، قال أنفقه على نفسك . قال معي آخر ، قال أنفقه على ولدك . قال معي آخر ، قال أنفقه على أهلك . قال معي آخر قال أنفقه على خادمك . قال معي آخر ، قال أنت أعلم . وروي عن الشافعي عن وكيع بن الجراح عن محمد بن أبي حميد عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال بعد دينار الخادم معي آخر لم يبق غيره ، قال أنفقه في سبيل الله وهو أدناها أجرا . قال سعيد المقبري : فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال : يقول ولدك : أنفق علي ، إلى من تكلني ؟ وتقول زوجتك : أنفق علي أو طلقني ، ويقول خادمك : أنفق علي أو بعني ، وهذا أعم حديث في وجوب النفقة ؛ لأنه جمع فيه بين وجوبها بنسب وسبب . وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مجمل لا يخرج الزوجة من بيان إجماله . والثاني : أنه عام يدخل الزوجة في جملة عمومه . وروى الشافعي عن أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : جاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما آخذ منه سرا وهو لا يعلم ؛ فهل علي فيه شيء ، فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فدل هذا الخبر على وجوب نفقة الزوجة والولد ، واستفيد منه سوى ذلك دلائل على أحكام منها جواز بروز المرأة فيما عرض من حاجة ، ودل على جواز سؤالها فيما يختص بها وبغيرها من الأحكام ، ودل على جواز كلامها للأجانب ، ودل على جواز أن يوصف الإنسان بما فيه وإن كان ذما إذا تعلق بما عسر ؛ لأنها نسبت أبا سفيان إلى الشح ؛ وهو ذم ، ودل على أن لصاحب الحق أن يأخذ حقه بغير إذن من عليه الحق ؛ لأنه أذن لها في أخذ ما يكفيها وولدها . ودل على أنه [ ص: 417 ] يجوز أن يأخذ حقه من غير جنسه إذا عدم الجنس ؛ لأنه لم يعين على أخذ ما تستحقه من قود أو لباس . ودل على وجوب النفقة بالمعروف من غير سرف ولا تقصير ؛ لقوله : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، ودل على جواز القضاء على الغائب ؛ لأنه حكم على أبي سفيان بالنفقة ولم يكن حاضرا . ودل على أن للحاكم أن يحكم بعلمه ؛ لأنه حكم لها بالنفقة في مال أبي سفيان لعلمه بأنها زوجته ، ودل على أن للأم ولاية على ولدها إذا كان صغيرا ؛ لقوله : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وأما المعقول من معاني الأصول ، فهو أن الزوجة محبوسة المنافع عليه وممنوعة من التصرف لحقه في الاستمتاع بها فوجب لها مؤنتها ونفقتها كما يلزمه لمملوكه الموقوف على خدمته وكما يلزم الإمام في بيت المال نفقات أهل الغير لاحتباس نفوسهم على الجهاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث