الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة صدقة الخيل والرقيق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما الخيل ، والرقيق - فقد حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك : أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من الرأس عشرة ومن الفرس [ ص: 32 ] عشرة ، ومن البراذين خمسة - يعني رأس الرقيق وعشرة دراهم ، وخمسة دراهم .

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو هو ابن دينار - قال : إن حي بن يعلى أخبره أنه سمع يعلى بن أمية يقول : ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية فرسا أنثى بمائة قلوص ; فندم البائع ، فلحق بعمر ، فقال : غصبني يعلى وأخوه فرسا لي . فكتب عمر إلى يعلى : أن الحق بي فأتاه فأخبره الخبر ; فقال عمر : إن الخيل لتبلغ عندكم هذا ؟ فقال يعلى : ما علمت فرسا بلغ هذا قبل هذا . فقال عمر : فنأخذ من أربعين شاة شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا خذ من كل فرس دينارا قال : قال : فضرب على الخيل دينارا دينارا .

حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد الباجي ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن أبي حسين أن ابن شهاب أخبره أن السائب ابن أخت نمر أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقات الخيل ، قال ابن شهاب : وكان عثمان بن عفان يصدق الخيل .

ومن طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري : أن مروان بعث إلى أبي سعيد الخدري : أن ابعث إلي بزكاة رقيقك . فقال للرسول : إن مروان لا يعلم إنما علينا أن نطعم عن كل رأس عند كل فطر صاع تمر أو نصف صاع بر ; ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن حماد بن أبي سليمان قال : وفي الخيل الزكاة . فذهب أبو حنيفة ومن قلده إلى أن في الخيل الزكاة - واحتجوا بهذه الآثار ، وبقول الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } .

وقالوا : والخيل أموال ; فالصدقة فيها بنص القرآن .

وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { الخيل لرجل أجر ، ولرجل ستر } فذكر الحديث ، وفيه { ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ، ولا ظهورها ، فهي له ستر } . [ ص: 33 ]

قال أبو محمد : هذا ما موه به الحنفيون من الاحتجاج بالقرآن والسنة وفعل الصحابة ; وهم مخالفون لكل ذلك - : أما الآية فليس فيها أن كل صنف من أصناف الأموال صدقة ، وإنما فيها { خذ من أموالهم } فلو لم يرد إلا هذا النص وحده لأجزأ فلس واحد عن جميع أموال المسلم ; لأنه صدقة أخذت من أمواله . ثم لو كان في الآية أن في كل صنف من أصناف الأموال صدقة وليس ذلك فيها لا بنص ولا بدليل لما كانت لهم فيها حجة ; لأنه ليس فيها مقدار المال المأخوذ ، ولا مقدار المال المأخوذ منه ، ولا متى تؤخذ تلك الصدقة .

ومثل هذا لا يجوز العمل فيه بقول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان ، قال تعالى : {لتبين للناس ما نزل إليهم }

وأما الحديث فليس فيه إلا أن لله تعالى حقا في رقابها وظهورها ، غير معين ولا مبين المقدار ; ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم .

فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث ، وهو حمل على ما طابت نفسه منها في سبيل الله تعالى ، وعارية ظهورها للمضطر .

وأما فعل عمر وعثمان رضي الله عنهما فقد خالفوهما ، وذلك أن قول أبي حنيفة : إنه لا زكاة في الخيل الذكور ولو كثرت وبلغت ألف فرس فإن كانت إناثا ، أو إناثا وذكورا ، سائمة غير معلوفة فحينئذ تجب فيها الزكاة ، وصفة تلك الزكاة أن صاحب الخيل مخير ، إن شاء أعطى عن كل فرس منها دينارا أو عشرة دراهم ; وإن شاء قومها فأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم .

قال أبو محمد : وهذا خلاف فعل عمر . وأيضا فقد خالفوا فعل عمر في أخذه الزكاة من الرقيق عشرة دراهم من كل رأس ، فكيف يجوز لذي عقل ودين أن يجعل بعض فعل عمر حجة وبعضه ليس بحجة .

وخالفوا عليا في إسقاط زكاة الخيل جملة ، وأتوا بقول في صفة زكاتها لا نعلم أحدا قاله قبلهم ; فظهر فساد قولهم جملة .

[ ص: 34 ] وذهب جمهور الناس إلى أن لا زكاة في الخيل أصلا . حدثنا حمام ثنا ابن مفرج عن ابن الأعرابي عن الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال : قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق .

وقد صح أن عمر إنما أخذها على أنها صدقة تطوع منهم لا واجبة . حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن ابن أبي خالد عن شبيل بن عوف وكان قد أدرك الجاهلية قال : أمر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة ; فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، خيل لنا ورقيق افرض علينا عشرة عشرة . فقال عمر : أما أنا فلا أفرض ذلك عليكم . حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قرأت على أبي عن يحيى بن سعيد القطان عن زهير هو ابن معاوية - ثنا أبو إسحاق هو السبيعي - عن حارثة هو ابن مضرب - قال : { حججت مع عمر بن الخطاب فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا أصبنا رقيقا ودوابا فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا وتكون لنا زكاة . فقال : هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي } . قال أبو محمد : هذه أسانيد في غاية الصحة ، والإسناد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من الخيل صدقة ; ولا أبو بكر بعده ; وأن عمر لم يفرض ذلك . وأن عليا بعده لم يأخذها .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمود بن غيلان ثنا أبو أسامة هو حماد بن أسامة - ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قد عفوت عن الخيل ، فأدوا صدقة أموالكم من كل مائتين خمسة } . [ ص: 35 ]

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا صدقة الفطر في الرقيق } .

والفرس والعبد اسم للجنس كله ، ولو كان في شيء من ذلك صدقة لما أغفل عليه السلام بيان مقدارها ومقدار ما تؤخذ منه ، وبالله تعالى التوفيق .

وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والحسن ، والحكم بن عتيبة ، وهو فعل أبي بكر ، وعمر ، وعلي كما ذكرنا ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأصحابنا .

وأما الحمير فما نعلم أحدا أوجب فيها الزكاة ، إلا شيئا حدثناه حمام قال : ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي ثنا عبد الله بن يونس ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم النخعي ، قال منصور : سألته عن الحمير أفيها زكاة . فقال إبراهيم : أما أنا فأشبهها بالبقر ; ولا نعلم فيها شيئا . قال أبو محمد : كل ما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بزكاة محدودة موصوفة فلا زكاة فيه .

ولقد كان يجب على من رأى الزكاة في الخيل بعموم قول الله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } أن يأخذها من الحمير ، لأنها أموال ، وكان يلزم من قاس الصداق على ما تقطع فيه اليد أن يقيسها على الإبل ، والبقر ، لأنها ذات أربع مثلها ، وإن افترقت [ ص: 36 ] في غير ذلك ، فكذلك الصداق يخالف السرقة في أكثر من ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث