الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في استحالة أن يكون إلهان كل منهما معبود لشيء

فصل

فنقول: كما استحال أن يكون ربان كل منهما فاعل الشيء، فكذلك يستحيل أن يكون إلهان كل منهما معبود لشيء، كما قدمنا أنه إذا استحال كون كل من الشيئين فاعلا للآخر وعلة له، فيستحيل أن يكون كل منهما هو المقصود للآخر، والعلة الغائية له، لمفعول لهما، سواء اشتركا في مفعول أو انفرد كل منهما بمفعول مباين.

وكذلك يستحيل أن يكون الشيء فاعلا لنفسه محدثا لها، ويستحيل أن يكون هو الغاية المقصودة من فعل نفسه لفاعلها، فكما لا يكون شيء من الموجودات ربا لنفسه فاعلا، فلا يكون شيء منها مقصودا لنفسه، هي الغاية المطلوبة من وجوده، بل كما وجب أن يكون لجميع المصنوعات رب غيرها فعلها وأحدثها، وجب أن يكون ثبوته بعد أن خلقهم، إذ الحاجة إلى المقصود قبل الافتقار إلى ألوهيته، وهو أعظم الوجهين، فقد يكون لفعلهما جميعا مقصودا مرادا غيرها.

والخارج عن الممكنات المحدثات هو الله الذي لا رب غيره، ولا إله إلا هو، فهو ربها كلها وخالقها ومليكها، وهو إلهها جميعا، الذي يجب أن يكون هو المعبود المقصود المراد بها جميعها، فهو نفسه هو الفاعل لأجل نفسه، إذ لا يجوز أن تكون الغاية المقصودة له غيره، كما لا يجوز أن يكون الرب الفاعل غيره.

ومعلوم أن كل واحد من العلتين- الفاعل والغاية- خارج عن [ ص: 100 ] الشيء المفعول، وإنما جزآه المادة والصورة، إذ المادة والصورة هما ماهيته وحقيقته، فلا يجوز أن يكون في المخلوقات ما هو فاعل لها.

كذلك لا يجوز أن يكون فيها ما هو المقصود المراد لفاعلها، ومن هنا تندفع مسائل الإرادة الموجبة بالذات والتعليل والتجوير، وتعليل أفعاله، فإن المعللين أوجب ذلك عليهم رعاية الحكمة، والمانعين أوجب المنع عليهم رعاية الغنى، فإن الفاعل لأجل غيره مفتقر إلى ذلك الغير، فأما إذا فعل لأجل نفسه كان غاية ما يقال: إنه فعل لنفسه، كما يقال: واجب بنفسه.

وهذا خيال باطل، إنما يتوهم صدقه لأنه يظن أن نفسه منفصلة عن نفسه، وأن الشيء الفاعل نفسه هو شيء متقدم عليها، والشيء المطلوب المقصود هو شيء منفصل عن نفسه التي لها القصد والإرادة. وكل ذلك باطل، بل هو سبحانه القائم بنفسه الذي هو موجود بها، ومريد لها، ومحب لها، ومسبح لنفسه، ومثن على نفسه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" .

ومن هنا يظهر الفرق بين ما يحبه ويرضاه، وبين ما يريده من غير محبته، فإن ذلك محبوب لنفسه مرضي لها، وهذا مراد من جهة الربوبية.

لكن يقال: هو فعل الأفعال بإرادته، فالوجود كله بمشيئته، لكنه [ ص: 101 ] يحب ويرضى شيئا دون شيء، وذلك في مفعولاته وأفعال عباده، فهو فعل لوجود ما يحبه ويرضاه، ومراده وجود المحبوب المرضي، وهو ألوهيته وكونه هو المقصود المراد، وإن كان في ضمن ذلك قد فعل ما أراده، وهو لا يحبه ويرضاه، لأن فعله له وسيلة إلى ما يحبه ويرضاه، فهو مراد بالقصد الثاني. وقد بسطنا في غير هذا الموضع من كلامنا في القدر، وتكلمنا على أنواع تتعلق بذلك.

ومن هنا يعرف قوله عليه الصلاة والسلام: "والشر ليس إليك" ، فإن الله إليه المنتهى من جهة إلهيته، والشر لا ينتهي إليه، ولا يصعد إليه، ولا يصل إليه، ولا يحبه، ولا يرضاه، فهو قطع له من جهة الألوهية، وهذا نحو قول من قال: لا يتقرب به إليك، ألا ترى كيف قال في الأضحية: "اللهم منك ولك" .

لكن قد يقال: المعروف إن قال: هذا العمل لله، فكان مناسبه أن يقال: والشر ليس إليك. وأما "إلى" فيعدى بها الفعل، كما قال الخليل عليه السلام: إني ذاهب إلى ربي سيهدين ، وقال: إنك كادح إلى ربك كدحا .

فيقال: وقد قال : [ ص: 102 ]


رب العباد إليك الوجه والعمل

وأما من جهة الربوبية فهي مخلوقة، لكن بالقصد الثاني لأجل غيره، وليس هو أيضا مرادا بالإرادة الأولى، ولا مخلوقا بالقصد الأول، فليس هو مضافا إليه من جهة كونه شرا، إذ لم يقصده ويرده من هذه الجهة، ولكن من جهة ما هو وسيلة إلى الخير الذي هو يبدئه، كما قال تعالى: أحسن كل شيء خلقه ، وقال: صنع الله الذي أتقن كل شيء ، وهو لم يقل: الشر ليس بك ولا منك ولا من عندك، بل قد يقال: كل من عند الله في الحسنات والسيئات، التي هي المسار والمصائب، كما قد بينته في غير هذا الموضع.

وقد يعترض على هذا فيقال: قد فرق بينهما في قوله: فمن الله و فمن نفسك في هذه الآية، وفي قوله: فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم الآية، و ولئن أصابكم فضل من الله ، وقد قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله ، وقال: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ولم يقل في الشر مثل ذلك. [ ص: 103 ]

فالمقصود هنا أنه سبحانه كما أنه واجب بنفسه، فهو محبوب لنفسه، مثني على نفسه، ومن هذا صلواته بثنائه على نفسه وطلبه من نفسه، وهذا غير صلاته على عباده. يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين.

وقد خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ، وفي الصحيحين عن معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم ".

وفي الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"يقول الله: يا عبدي! إنما هي أربعة: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما الذي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي، فأت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك".

فهو سبحانه قد جعل عبادته حقا له على عباده، كما بين أنه خلقهم [ ص: 104 ] لعبادته، ومعلوم أن عبادته تتضمن كمال محبته بكمال الذل له، فهي متضمنة كونه هو المراد المقصود المحبوب المعبود.

فإذا كان قد خلقهم لعبادته، وذلك يتضمن أنه أمرهم بها وأحبها ورضيها وأرادها إرادة شرع، فمعلوم أن محبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود، فمن أحب محبة محبوب ومحبي محبوب، كانت محبته لذلك المحبوب هي الأصل، وكانت ثابتة بطريق الأولى، وكان إنما أحب أن يحب، وأحب محبته لكونه محبوبا له، وكان ذلك فرعا لهذا الأصل.

ولهذا كانت محبة المؤمنين لما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، والحب لله، والبغض في الله، كل ذلك تبع وفرع على محبتهم لله، فإذا أحبوه أحبوا ما أحبه هو من الأعمال والأشخاص، إذ محبوب المحبوب محبوب، وبغيض المحبوب بغيض. وكذلك محب المحبوب محبوب، ومبغض المحبوب مبغض، فالمؤمنون يحبون ربهم، وكانت محبتهم لما يحبه الله ولما يحب الله فرعا وتبعا لمحبتهم له، والله تعالى يحبهم ويحب ما يحبونه وما يحبهم، حتى قال أبو يزيد: إن الله لينظر إلى رجال في قلوب رجال، وينظر إلى رجال من قلوب رجال.

فالأول: حال من أحبه المؤمنون، فينظر الله إلى قلوبهم، فيجد فيها أولئك المحبوبين.

والثاني: حال من أحب المؤمنين ، فينظر إليهم من قلوب [ ص: 105 ] المؤمنين، فهو يرحم من يحبه أولئك، ومن يحبه أولياؤه، وإذا كان كذلك كانت محبته لما أحبه من الأعيان والأعمال ومحبته لمن يحبه تبعا وفرعا لمحبته لنفسه بطريق الأولى والأحرى، وذلك يتبين من وجوه:

أحدها: أن كل محب فإما أن يحب الشيء لذات المحبوب أو لذات نفسه، فيحبه لمحبته لنفسه، والفرق بين الموضعين أن الأول يتنعم بنفس المحبوب، والثاني يتمتع بما يصل إلى نفسه من نفع المحبوب. فهذا أحط النفع الواصل، فكانت ذات ذلك وسيلة إليه لا غرض له فيها، بحيث لو حصل النفع بدونه لم يكن له بذاته محبة، وذاك أحب نفس المحبوب، لا لأجل نفع يصل إليه سوى نفعه وانتفاعه بذاته، كما تنعم ذلك وانتفع بما وصل إليه من المحبوب، وهذا شبيه بمن يحب إحدى زوجتيه لتمتعه بجمالها، ويحب الأخرى لكونها تنفق عليه مالها، ويحب شخصا لما فيه من العلم والدين، ويحب آخر لكونه محسنا إليه. وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث