الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 423 ] باب قدر النفقة مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " عليه النفقة نفقتان : نفقة الموسع ، ونفقة المقتر قال الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه . قال الماوردي : نفقات الزوجات مقدرة تختلف باليسار والإعسار ، ويعتبر فيها حال الزوج دون الزوجة ؛ فإن كان موسرا تقدرت بمدين ، وإن كان معسرا تقدرت بمد ، وإن كان متوسطا تقدرت بمد ونصف . وقال أبو حنيفة ، ومالك : نفقة الزوجية معتبرة بكفايتها ، ولا اعتبار بيسار الزوج وإعساره . فخالفوا في الأحكام الثلاثة ، فلم يجعلوها مقدرة ولا معتبرة بحال الزوج ولا مختلفة باليسار والإعسار . واستدلوا على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . فأذن لها في أخذ كفايتها ، وجمع بينها وبين ولدها ، ونفقة ولدها معتبرة بالكفاية ، وهو لا يأذن لها إلا فيما تستحقه ، فدل على أن الكفاية هي القدر المستحق ، ولأن نفقتها في مقابلة تمكين الزوج من الاستمتاع ، والتمكين معتبر بكفاية الزوج فوجب أن يكون ما في مقابلته من النفقة معتبرا بكفاية الزوجة كالمقاتلة لما يلزمهم كفاية المسلمين جهاد عدوهم استحقوا على المسلمين في بيت مالهم قدر كفايتهم ، ولأن استحقاق النفقة يكون من ثلاثة أوجه : بنسب ، وزوجية ، وملك : فلما كان المستحق بالنسب والملك معتبرا بالكفاية ، وجب أن يكون المستحق بالزوجية معتبرا بالكفاية . وتحريره أنها جهة تستحق بها النفقة . فوجب أن تكون معتبرة بالكفاية كالنسب والملك . ودليلنا قول الله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله [ الطلاق : 7 ] فدلت هذه الآية على اعتبار النفقة بالزوج واختلافها بيساره وإعساره . فسقط بذلك اعتبار كفايتها ولا يجوز حمله على نفقة المرضعة : لأنها لا تختلف باليسار والإعسار ، ولأنها أجرة مقدرة ، ولأن المال المستحق بالزوجية يجب أن يكون مقدرا كالمهر ، ولأن ما استقر ثبوته في الذمة من الإطعام إذا لم يسقط [ ص: 424 ] بالإعسار كان مقدرا كالكفارات . ولأن اعتبارها بالكفاية مفض إلى التنازع في قدرها . فكان تقديرها بالشرع حسما للتنازع فيه أولى كدية الجنين . فأما الجواب عن حديث هند ؛ فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تأخذ بالمعروف ، والمعروف أن لا تأخذ في الإعسار ما تأخذه في اليسار . وأما الجواب عن استدلالهم بأنها في مقابلة الاستمتاع المعتبر بالكفاية كالمجاهدين . فهو أن نفقة الزوجة في مقابلة بدل مستحق بعقد فجرى عليه حكم العوض ، وإنما يجب بالانقطاع عن التماسه الكفاية فجاز أن لا يستحق بها قدر الكفاية . وأما الجواب عن قياسهم على نفقات الأقارب والمماليك ، فالمعنى فيها أنها مستحقة من غير بدل فجاز أن تكون غير مقدرة ، ونفقة الزوجة مستحقة عن بدل فوجب أن تكون مقدرة كالأجور والأثمان . فصل : فإن قيل فقد قال الشافعي : النفقة نفقتان : نفقة الموسر ، ونفقة المعسر ، ثم قدرها ثلاث نفقات . موسر ومعسر ومتوسط فنقض بعض كلامه بعضا . قيل : أراد : المعتبر بالشرح نفقتان : يسار وإعسار ، والثالثة معتبرة بالاجتهاد لتوسطهـا بين اليسار والإعسار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث