الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله

وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب .

[ ص: 114 ] يجوز أن يكون عطفا على ( الطيبات ) عطف المفرد ، على نية مضاف محذوف ، والتقدير : وصيد ما علمتم من الجوارح ، يدل عليه قوله فكلوا مما أمسكن عليكم . فـ ( ما ) موصولة وفاء ( فكلوا ) للتفريع .

ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة ، وتكون ( ما ) شرطية وجواب الشرط ( فكلوا مما أمسكن ) .

وخص بالبيان من بين الطيبات لأن طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد ، لا سيما صيد الجوارح ، وهو محل التنبيه هنا الخاص بصيد الجوارح . وسيذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم . والمعنى : وما أمسك عليكم ما علمتم بقرينة قوله بعد فكلوا مما أمسكن عليكم لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلمة .

والجوارح : جمع الجارح ، أو الجارحة ، جرى على صيغة جمع فاعلة ، لأن الدواب مراعى فيها تأنيث جمعها ، كما قالت العرب للسباع : الكواسب ، قال لبيد :


غبس كواسب ما يمن طعامها

ولذلك تجمع جمع التأنيث ، كما سيأتي فكلوا مما أمسكن عليكم .

و ( مكلبين ) حال من ضمير ( علمتم ) مبينة لنوع التعليم وهو تعليم المكلب ، والمكلب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل معلم الكلاب ، يقال : مكلب ، ويقال : كلاب .

فـ ( مكلبين ) وصف مشتق من الاسم الجامد اشتق من اسم الكلب جريا على الغالب في صيد الجوارح ، ولذلك فوقوعه حالا من ضمير ( علمتم ) ليس مخصصا للعموم الذي أفاده قوله ( وما علمتم ) فهذا العموم يشمل غير الكلاب [ ص: 115 ] من فهود وبزاة . وخالف في ذلك ابن عمر ، حكى عنه ابن المنذر أنه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى ( مكلبين ) قال : فأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال وإلا فلا تطعمه . وهذا أيضا قول الضحاك والسدي .

فأما الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلمات منها ، إلا ما شذ من قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم ، أي عام السواد ، محتجين بقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - الكلب الأسود شيطان أخرجه مسلم ، وهو احتجاج ضعيف ، مع أن النبيء - عليه السلام - سماه كلبا ، وهل يشك أحد أن معنى كونه شيطانا أنه مظنة للعقر وسوء الطبع . على أن مورد الحديث في أنه يقطع الصلاة إذا مر بين يدي المصلي . على أن ذلك متأول . وعن أحمد بن حنبل : ما أعرف أحدا يرخص فيه ، أي في أكل صيده إذا كان بهيما ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، وكيف يصنع بجمهور الفقهاء ؟

وقوله تعلمونهن مما علمكم الله حال ثانية ، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان ، إذ جعله معلما بالجبلة من يوم قال يآ أدم أنبئهم بأسمائهم ، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان ، إذ جعله قابلا للتعلم . فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزل منزلة الحال المؤكدة ، وباعتبار كونها تضمنت معنى الامتنان فهي مؤسسة . قال صاحب الكشاف : " وفي تكرير الحال فائدة أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علما وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله " .

اهـ . والفاء في قوله ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) فاء الفصيحة عن قوله وما علمتم من الجوارح إن جعلت ( ما ) من قوله ( وما علمتم ) موصولة ، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب .

[ ص: 116 ] وحرف ( من ) في قوله ( مما أمسكن عليكم ) للتبعيض ، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناولات ، كقوله كلوا من ثمره . وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد ، ولا أن ذلك احتراس عن أكل الريش ، والعظم ، والجلد ، والقرون ; لأن ذلك كله لا يتوهمه السامع حتى يحترس منه .

وحرف ( على ) في قوله ( مما أمسكن عليكم ) بمعنى لام التعليل ، كما تقول : سجن على الاعتداء ، وضرب الصبي على الكذب ، وقول علقمة بن شيبان :


ونطاعن الأعداء عن أبنائنـا     وعلى بصائرنا وإن لم نبصر

أي نطاعن على حقائقنا : أي لحماية الحقيقة ، ومن هذا الباب قوله تعالى أمسك عليك زوجك ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك .

ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح : من كلاب ، وفهود ، وسباع طير : كالبزاة ، والصقور ، إذا كانت معلمة وأمسكت بعد إرسال الصائد . وهذا مقدار اتفق علماء الأمة عليه وإنما اختلفوا في تحقق هذه القيود .

فأما شرط التعليم فاتفقوا على أنه إذا أشلي ، فانشلى ، فاشتد وراء الصيد ، وإذا دعي فأقبل ، وإذا زجر فانزجر ، وإذا جاء بالصيد إلى ربه ، أن هذا معلم . وهذا على مراتب التعلم . ويكتفى في سباع الطير بما دون ذلك : فيكتفى فيها بأن تؤمر فتطيع . وصفات التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد ، وأنه صار له معرفة ، وبذلك قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرتين أو ثلاث ، خلافا لأحمد ، وأبي يوسف ، ومحمد .

[ ص: 117 ] وأما شرط الإمساك لأجل الصائد : فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إياها ، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدودا ، أو أمره إياها بلفظ اعتادت أن تفهم منه الأمر كقوله : " هذا لك " لأن الإرسال يقوم مقام نية الذكاة . ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتى يرجع إلى ربه بالصيد .

واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربه هل يبطل حكم الإمساك على ربه : فقال جماعة من الصحابة والتابعين : إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية ; لأنه إنما أمسك على نفسه ، لا على ربه . وفي هذا المعنى حديث عدي بن حاتم في الصحيح : أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكلب ، فقال : وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه . وبه أخذ الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق . وقال جماعة من الصحابة : إذا أكل الجارح لم يضر أكله ، ويؤكل ما بقي . وهو قول مالك وأصحابه : لحديث أبي ثعلبة الخشني ، في كتاب أبي داود : أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : وإن أكل منه . ورام بعض أصحابنا أن يحتج لهذا بقوله تعالى ( مما أمسكن عليكم ) حيث جاء بـ ( من ) المفيدة للتبعيض ، المؤذنة بأنه يؤكل إذا بقي بعضه ، وهو دليل واه ، فقد ذكرنا آنفا أن ( من ) تدخل على الاسم في مثل هذا وليس المقصود التبعيض ، والكلب أو الجارح ، إذا أشلاه القناص فانشلى ، وجاء بالصيد إلى ربه ، فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه ، فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان . ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أن أكل الجارح من الصيد هل يقدح في تعليمه ، والصواب أن ذلك لا يقدح في تعليمه ، إذا كانت أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد ، وإنما هذا من الفلتة أو من التهور . ومال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصة ، لأنها لا تفقه من التعليم ما يفقه الكلب ، وروي هذا عن ابن عباس ، وحماد ، والنخعي ، وأبي حنيفة ، وأبي ثور .

وقد نشأ عن شرط تحقق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح صيدا لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه ، ثم وجد الصائد [ ص: 118 ] بعد ذلك صيدا في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه ; فعن مالك : لا يؤكل ، وعن بعض أصحابه : يؤكل . وأما إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد فإنه يؤكل لا محالة .

وأحسب أن قوله تعالى ( مما أمسكن عليكم ) احتراز عن أن يجد أحد صيدا لم يصده هو ، ولا رأى الجارح حين أمسكه ، لأن ذلك قد يكون موته على غير المعتاد فلا يكون ذكاة ، وأنه لا يحرم على من لم يتصد للصيد أن يأكل صيدا رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريبا ، أو ابتاعه من صائده ، أو استعطاه إياه .

وقوله واذكروا اسم الله عليه أمر بذكر الله على الصيد ، ومعناه أن يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح ، وأما إذا أمسكه حيا فقد تعين ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذ . ولقد أبدع إيجاز كلمة ( عليه ) ليشمل الحالتين . وحكم نسيان التسمية وتعمد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف ، والدين يسر .

وقد اختلف الفقهاء : في أن الصيد رخصة ، أو صفة من صفات الذكاة . فالجمهور ألحقوه بالذكاة ، وهو الراجح ، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المجوسي . وقال مالك : هو رخصة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابي ولا المجوسي وتلا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم وهو دليل ضعف : لأنه وارد في غير بيان الصيد ، ولكن في حرمة الحرم . وخالفه أشهب ، وابن وهب ، من أصحابه . ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلا رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع .

وقوله ( واتقوا الله ) الآية ، تذييل عام ختمت به آية الصيد ، وهو عام المناسبة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث