الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أنه سبحانه وتعالى إله الخلق كلهم

فصل

فإذا كان هو رب كل شيء ومليكه، ولا وجود لشيء إلا بقدرته ومشيئته، فهو إله الخلق كلهم، لا إله غيره، ولا صلاح للخلق إلا بأن يكون هو المعبود المقصود بالقصد الأول من جميع حركاتهم.

فكما أن ما لا يريده ويشاؤه لا يكون، فما لا يراد لأجله ويقصد له فإنه فاسد لا صلاح فيه، فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه.

ومن المعلوم أن المخلوق لم يخلق نفسه، ولا وجد من غير [ ص: 110 ] خالق، فلا بد له من خالق غيره خلقه. كما قال تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ، فكذلك المخلوق ليس هو المقصود بوجوده وفعله، ولا وجد من غير مقصود، فوجب أن يكون المقصود بوجوده وفعله شيئا غيره، كما تقدم بيانه.

ثم إنه في نفسه، كما أنه لا يكون شيء من أفعاله إلا بإعانة الله، فلا يصلح شيء من حركاته وأفعاله إلا أن يكون لله، ولهذا [كان سر] القرآن في قوله: إياك نعبد وإياك نستعين كما قال بعض السلف: إن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع سرها في الكتب الأربع، وجمع سر الأربعة في القرآن، وجمع سر القرآن في المفصل، وجمع سر المفصل في الفاتحة.

ففرق بالنسبة إلى خالقه بين ربوبيته له وخلقه- وهو السبب- وبين مقصوده ومراده- وهو الغاية-. وفرق بالنسبة إليه بين فعله أنه لا يكون إلا بحبه، وبين فعله أنه لا يصلح إلا لإلهه، فلا يجوز إلا بمعونة الله، ولا يصلح إلا لوجه الله.

ويتبين ذلك فيه بالنسبة إلى نفسه، كما يتبين بالنسبة إلى خالقه، وذلك أن فعله وقصده يمتنع أن يكون وجد من غير سبب، ويمتنع أن يكون وجد بقصد منه وفعل آخر، لأنه يفضي إلى التسلسل والدور، فلا بد أن يكون وجوده بسبب من غيره، وهو داخل في جملته التي تناولها [ ص: 111 ] قوله: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون .

وكل ما دل على أن الحوادث الممكنات مخلوقة لله، فهو يدل على أفعال العباد، إذ هي جزء من الحوادث الممكنات، فاستدلال بعضهم على ذلك لكونها ممكنة فتفتقر إلى مرجح- كما سلكه أبو عبد الله الرازي- ليس هو أبلغ من الاستدلال على ذلك بكون ذلك محدثا بعد أن لم يكن، فيفتقر إلى محدث، بل هو أبلغ وأكمل، فإن افتقار المحدث إلى المحدث أظهر من افتقار الممكن إلى المرجح، ولكن هو وطائفة من أهل الكلام قبله عكسوا الأمر في إثبات الصانع، فجعلوا طريقة الاستدلال بالمحدث على المحدث مبنية على طريقة افتقار الممكن إلى المرجح، وهذا غلط جدا، فإنه إذا قيل: إن تلك معلومة بالضرورة فالضرورة هنا أرجح بكثير، والمحدث شيء موجود، كان بعد أن لم يكن، حدوثه أمر خارجي موجود في الخارج.

وأما الممكن فإنما يقدر مستوى الطرفين في النفس، إذ هو في الخارج إما واجب بنفسه وإما ممتنع بنفسه، ولهذا منع طائفة من الفلاسفة أن يقال في الموجودات: إنها ممكنة بنفسها. وخالفوا ابن سينا في ذلك كما ذكره ابن رشد الحفيد. فالعلم بثبوت الممكن فيه من الصعوبة ما ليس في العلم بحدوث المحدث، فإن حدوث المحدثات مشهود بالحس، وهو صفة خارجية ثابتة ليست مقدرة في العقل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث