الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1848 [ ص: 49 ] مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال بن الحارث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه

التالي السابق


( قال أبو عمر ) هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ ، وغير مالك يقول في هذا الحديث : عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث ، فهو في رواية مالك غير متصل ، وفي رواية من قال عن أبيه عن جده متصل مسند ، وقد تابع مالكا على مثل روايته عن محمد بن عمرو عن أبيه ( الليث بن سعد ، وابن لهيعة روياه عن ابن عجلان ، عن محمد بن عمرو عن أبيه ) عن بلال بن الحارث لم يقولا عن جده ، ورواه الداروردي ، وسفيان بن عيينة ، ومعاذ بن ( معاذ ) ، وأبو معاوية الضرير ، وسعيد بن عامر ، ويزيد بن هارون ، ومحمد بن بشر ، وعبد الرحمن المحاربي [ ص: 50 ] ومحمد ويعلى ابنا عبيد ، عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث ( وتابعهم حيويه بن شريح عن ابن عجلان عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده ) ، وتابعهم أيضا شيخ يكنى أبا سفيان : عبد الرحمن بن عبد ربه اليشكري عن مالك عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده ، ورواه الثوري ، وموسى بن عقبة عن محمد بن عمرو عن جده علقمة بن وقاص لم يقولا عن أبيه ، وقال حماد بن سلمة : عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص ، والقول عندي فيه ، والله أعلم ، قول من قال عن أبيه عن جده ، وإليه مال الدارقطني رحمه الله ) .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا محمد بن بشر قال : حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثني أبي عن أبيه علقمة بن وقاص قال : مر به رجل له شرف ، فقال له علقمة : إن لك رحما ، وإن لك لحقا ، وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء ، وتكلم عندهم بما شاء الله أن تكلم ، وإني سمعت بلال بن الحارث صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الرجل ليتكلم [ ص: 51 ] بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه قال علقمة : فانظر ، ويحك ماذا تقول وماذا تكلم ، فرب كلام قد منعني ( أن ) أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث .

قال أبو عمر : لا أعلم خلافا في قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة ، إنها الكلمة ، عند السلطان الجائر الظالم ليرضيه بها فيما يسخط الله عز وجل ، ويزين له باطلا يريده من إراقة دم أو ظلم مسلم ، ونحو ذلك مما ينحط به في حبل هواه ، فيبعد من الله ، وينال سخطه ، وكذلك الكلمة التي يرضي بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه ، وبكفه عن معصية يريدها ، يبلغ بها أيضا من الله رضوانا لا يحسبه ، والله أعلم .

وهكذا فسره ابن عيينة وغيره ، وذلك بين في هذه الرواية وغيرها .

وجدت في سماع أبي بخطه أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا نصر بن مرزوق قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه [ ص: 52 ] عن جده عن بلال بن الحارث قال : إنكم تدخلون على هؤلاء الأمراء ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ، وبه عن أسد قال : حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص قال : كان علقمة يدخل على الأمراء ثم جلس عنهم ، فقيل له ما يجلسك عنهم ؟ قال : حدثني بلال بن الحارث قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه هكذا قال حماد بن سلمة في هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم التيمي ، وهو عندي وهم ، والله أعلم ، والصحيح ما قالته الجماعة عن محمد بن عمرو عن أبيه .

حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال : حدثنا حمزة بن محمد قال : حدثنا محمد بن يحيى بن الحسين قال : حدثنا [ ص: 53 ] عبيد الله بن محمد العيشي قال : حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الجمرة أي الجهاد أفضل ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند ذي سلطان جائر .

حدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعيد قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن قاسم ، قال : حدثنا بقي بن مخلد قال : حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال : حدثني أبي قال : حدثنا عروة بن رؤيم اللخمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر ، أو قال كلمة معناها ، أو إقالة عثرة أعانه الله على جواز الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ، وبه عن بقي بن مخلد قال : حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى قال : حدثنا سهل بن حماد قال : حدثنا المختار بن نافع عن أبي حيان [ ص: 54 ] عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحم الله عمر تركه الحق ليس له صديق .

حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا صالح بن عبيد قال : سمعت ابن مهدي يقول : عن حماد بن زيد قال ابن عون : كان الرجل يفر بما عنده من الأمراء جهده فإذا أخذ لم يجد بدا .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال : حدثنا الحسن ( بن ) محمد بن يحيى القلزمي قال : حدثنا أبو سعيد حاتم بن الحسن الشاشي بمكة قال : حدثنا أبو حاتم أحمد بن زرعة قال : حدثنا الحسن بن رشيد قال : حدثنا أبو مقاتل عن أبي حنيفة عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله [ ص: 55 ] صلى الله عليه وسلم : أكرم الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ( وروي من حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر مثله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره أو نهاه فقتله ( وروى ابن أبي نعيم قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : وفد الشيطان قوم يأتون هؤلاء الأمراء فيمشون إليهم بالنميمة ، والكذب فيعطون على ذلك العطايا ، ويجازون الجوائز ) قرأت على قاسم بن محمد أن خالد بن سعيد حدثهم قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي قال : قلت لعطاء : أخ له صاحب سلطان يكتب ما يدخل ( ويخرج ) أمين على ذلك ، إن ترك قلمه صار عليه دين ، وإن أخذ بقلمه كان له غنى ولعياله قال : الرأس من ؟ قلت : خالد بن عبد الله قال : أو ما تقرأ هذه الآية ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) صاحب القلم عون لهم ، ومن أقل من صاحب قلم ( عون لهم ) ليرم بقلمه فإن الله آتيه [ ص: 56 ] بغنى أو رزق ، وروينا عن رجاء بن حيوة قال : كنت ، واقفا بباب سليمان بن عبد الملك فأتاني آت لم أره قبل ولا بعد ، فقال : يا رجاء : إنك قد بليت بهذا ( أو بلي ) بك ، وفي دنوك منه فساد دينك ، يا رجاء : فعليك بالمعروف ، وعون الضعيف ، يا رجاء : إنه من رفع حاجة لضعيف إلى سلطان لا يقدر على رفعها ثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ، وهذا فيه حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرئ قال : حدثنا عبد الله بن سليمان أبو بكر الخراساني قال : حدثنا عبد الله بن صالح المصري قال : حدثنا يحيى بن حسان قال : حدثنا الوليد بن رباح الذماري قال : حدثني عمي نمران بن عبيد الذماري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 57 ] من رفع حاجة ضعيف إلى سلطان لا يستطيع رفعها ( إليه ) ثبت الله قدميه أو قال : قدمه - على الصراط .

حدثنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : ( حدثنا عبد الرزاق قال : حدثنا معمر عن أبي إسحاق عمارة بن عبد الله عن حذيفة قال : إياكم ومواقف الفتن قيل : وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله ؟ قال أبواب الأمراء ، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ، ويقول له ما ليس فيه . قال : وأخبرنا معمر عن قتادة أن ابن مسعود ( قال ) : إن على أبواب السلطان فتنا كمبارك الإبل ، والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينكم مثله . حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا الحسن بن رشيق ، وحدثنا أحمد بن فتح قال : حدثنا حمزة بن محمد قالا : حدثنا علي بن معبد بن بشر الرازي قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن خلف العنبري قال : حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن العيزار قال : كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول : اللهم إني أعوذ بك من [ ص: 58 ] أن أقول شيئا من الحق أريد به سواك ، وأعوذ بك من ضر ينزل بي يضطرني إلى معصيتك ، وأعوذ بك أن تزين لي شيئا من شأني يشينني عندك ، وأعوذ بك أن يكون غيري أسعد بما أعطيتني مني ، وأعوذ بك أن أكون عبرة للناس .




الخدمات العلمية