الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به

( الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به )

اعلم أن توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام واجب إجماعا وغير واجب إجماعا ومختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا القسم الأول الذي يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم بالإجماع فذلك كالصلوات على اختلاف أنواعها والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى وكذلك الحج ونحو ذلك وكذلك الخلق والرزق والأمانة والإحياء والبعث والنشر والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد [ ص: 25 ] توحيد الله تعالى وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة وإن أضيف شيء منها لغيره تعالى فإنما ذلك على سبيل الربط العادي لا أن ذلك المشار إليه فعل شيئا حقيقة كقولنا قتله السم وأحرقته النار ورواه الماء فليس شيء من ذلك يفعل شيئا مما ذكر حقيقة بل الله تعالى ربط هذه المسببات بهذه الأسباب كما شاء وأراد ولو شاء لم يربطها وهو الخالق لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هذه الموجدة .

وكذلك إخبار الله تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص معناه أن الله تعالى كان يحيي الموتى ويبرئ عند إرادة عيسى عليه السلام لذلك لا أن عيسى عليه السلام هو الفاعل لذلك حقيقة بل الله تعالى هو الخالق لذلك ومعجزة عيسى عليه السلام في ذلك ربط وقوع ذلك الإحياء وذلك الإبراء بإرادته فإن غيره يريد ذلك ولا يلزم إرادته ذلك فاللزوم بإرادته هو معجزته عليه السلام وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات الله تعالى هو خالقها وكذلك يجب توحيده تعالى باستحقاق العبادة والإلهية وعموم تعلق صفاته تعالى فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الكائنات وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات فهذا ونحوه توحيد واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه .

القسم الثاني : وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد ، كتوحيده بالوجود والعلم ونحوهما فمفهوم الوجود مشترك فيه سواء قلنا هو عين الموجود أو غيره فإن قلنا الوجود زائد على الموجود [ ص: 26 ] فهو مشترك فيه في الخارج وإن قلنا وجود كل شيء نفس ماهيته فنريد نفس ماهيته في الخارج وأما في الذهن فنحن نتصور من معنى الوجود معنى عاما يشمل الواجب والممكن فتلك الصورة الذهنية وقعت الشركة فيها فعلمنا أن التوحيد في أصل الوجود غير واقع على التقديرين وكذلك مفهوم العلم من حيث هو علم وقعت الشركة فيه بين الواجب والممكن وكذلك مفهوم الحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني وأنواعه من الطلب في الأمر والنهي والخبر وغير ذلك من أنواع الكلام النفساني ولولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد فإن القياس بغير مشترك متعذر وقياس المباين على مباينه لا يصح .

وقد أورد بعض الفضلاء هذا السؤال فقال إن كان القياس صحيحا لمعنى مشترك بين الشاهد والغائب فقد وقعت المشابهة بين صفات الله تعالى وصفات البشر والله سبحانه وتعالى لا تشبه ذاته ذاتا ولا صفة من صفاته صفة من صفات غيره { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } والسلب الذي في هذه الآية عام في الذات والصفات وإن لم يكن القياس صحيحا تعذر إثبات الصفات فإن مستندها قياس الغائب على الشاهد .

والجواب عن هذا السؤال أن السلب للمثلية المستفاد من الآية صحيح والقياس أيضا صحيح ووجه الجمع بينهما أن المعاني لها صفات نفسية تقع الشركة فيها فبها يقع القياس وتلك الصفات النفيسة حكم لذلك المعنى وحال من أحواله النفسية وهي حالة غير معللة وذلك كما نقول كون السواد سوادا وكون البياض بياضا حالة للسواد والبياض وهي حالة غير معللة وهذه الحال لا موجودة ولا معدومة فليس خصوص السواد الذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة بالسواد وكذلك كونه عرضا ليس بصفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا توصف بصفة وجودية [ ص: 27 ] حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني .

فكذلك كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج قائمة بالعلم فالقياس وقع بهذه الحالة النفسية والحكم النفسي لا بصفة وجودية وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات وإذا كان القياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب وهو حكم نفسي وحالة ذاتية ليست بموجودة في الخارج فالسلب الذي في الآية معناه أن المثلية منفية بين الذات وجميع الذوات .

وكل صفة له تعالى وبين جميع صفات المخلوقات في أمر وجودي فإنه لا صفة وجودية مشتركة بين الله وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات أما في صفة وجودية فلا فهذا وجه الجمع بين قياس الشاهد على الغائب وبين نفي المشابهة وبسط هذا في كتب أصول الدين وقد بسطته في شرح الأربعين وأوردت هذا السؤال وأجبت عنه هنالك مبسوطا فهذا القسم ونحوه لا يجب التوحيد فيه على هذا التفسير إجماعا فيجوز أن يوصف المخلوق بأنه عالم ومريد وحي وموجود ومخبر وسميع وبصير ونحو ذلك من غير اشتراك في اللفظ بل باعتبار معنى عام على ما تقدم تفسيره .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده تعالى به إلى آخر ما قاله في القسم الأول )

قلت ما قاله في ذلك صحيح [ ص: 25 ] قال

( القسم الثاني وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد كتوحيده تعالى بالوجود والعلم ونحوهما إلى آخر ما قاله في هذا القسم )

قلت ما قاله في ذلك غير صحيح فإنه لا يخلو أن تقول إن الوجود هو عين الموجود أو غيره فإن قلت بالأول لم يصح القول بعدم التوحيد والتوحد من حيث إن وجود الباري تعالى عين ذاته ووجود غيره عين ذاته والغيران كل واحد منهما منفرد بذاته غير مشارك فيها فلا يصح على ذلك القول بعدم التوحيد والتوحد على هذا باعتبار الوجود الخارج عن الذهن .

وأما باعتبار الأمر الذهني فلا يصح على ذلك الاتفاق على القول بعدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني وإن قلنا بالأمر الثاني فلا يصح أيضا القول بعدم التوحيد والتوحد من حيث إن وجود كل واحد من الغيرين يختص به هذا على القول بإنكار الحال

وأما على القول بالحال فلا يخلو أن يقال إن الحال هي الأمر الذهني أو لا فإن قلنا بالأول لم يصح الاتفاق على عدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني وإن قلنا بالثاني لم يصح [ ص: 26 ] القول بعدم التوحيد والتوحد لاختصاص كل واحد من الغيرين بحاله كما سبق في الوجود وما قاله من أنه لولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد ليس بصحيح من حيث إن الشركة في أصول هذه المفهومات لم تثبت فيتعذر قياس الغائب على الشاهد

وما ذكر من أن بعض الفضلاء أورده وارد وجوابه بالتزام بطلان قياس الغائب على الشاهد وعدم تعذر إثبات الصفات لذلك لأنه لا يتعين لإثباتها قياس الغائب على الشاهد وما أجاب هو به عن ذلك السؤال لا يصح إلا على القول بالأحوال ولا حاجة إلى ذلك لعدم تعين قياس الغائب على الشاهد للدلالة على الصفات والله تعالى أعلم

وما قاله في القسم بعده صحيح



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به )

توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام ( القسم الأول ) واجب إجماعا وهو أربعة أنواع النوع الأول عبادة كالصلوات على اختلاف أنواعها والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر والحج فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى ( والنوع الثاني ) صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والبعث والنشور والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة وأن ما أضيف منها لغيره تعالى سواء كان في كلامه تعالى كإخباره تعالى عن عيسى عليه السلام أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص أو في كلامنا كقولنا قتله السم وأحرقته النار وأرواه الماء ليس معناه أن غيره تعالى فعل شيئا من ذلك حقيقة بل معناه أن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها كما شاء وأراد سواء كانت الأسباب أسبابا عادية لمسبباتها كما في سببية السم للقتل والنار للإحراق والماء للإرواء أو أسبابا غير عادية لمسبباتها كما في إرادة عيسى عليه السلام لإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص .

وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات عند إرادة ذلك النبي أو الولي ولو شاء تعالى لم يربطها وهو الخالق حقيقة لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هي الموجدة حقيقة قلت وذكر شيخ شيوخنا خاتمة المحققين السيد أحمد دخلان رحمه الله تعالى في رسالة [ ص: 40 ] له فيما يتعلق بقوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } الآية أن لربط الله تعالى المسببات بأسبابها حكما ومصالح كثيرة منها أن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث والغرس طلبا للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية فلأن يحتاجوا إلى تحمل مشاق الطاعة التي هي أقل من مشاق المنافع الدنيوية من باب أولى لأن مشاق الطاعة تثمر المنافع الأخروية التي هي أعظم من الدنيوية .

ومنها أنه تعالى أجرى عادته بتوقف الشفاء على الدواء في بعض الأحيان ليعلم الإنسان أنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعا لضرر المرض فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعا لضرر العقاب من باب أولى ومنها أنه سبحانه وتعالى لو خلق المسببات دفعة واحدة من غير وسائط أسبابها لحصل العلم الضروري باستنادها إلى القادر الحكيم وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء لأنه لا يبقى كافر ولا جاحد حينئذ فلما خلقها بهذه الوسائط ظهرت حكمة التكليف والابتلاء وتميزت الفرقة الموصوفة بالشقاء عن الفرقة الموصوفة بالشقاء لأن المهتدي يفتقر في استنادها إلى القادر المختار إلى نظر دقيق وفكر غامض فيستوجب الثواب ولهذا قيل لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ومنها أنه يظهر للملائكة وأولي الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الواحد القهار .

ولما كان المقصود من الاستدلال بهذه الآية على وجود الصانع واتصافه بالكمالات واستحقاقه لأنواع إنما هو العلم وكان علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره قدم سبحانه وتعالى فيها دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ومن دلائل الأنفس نفس الإنسان ثم ذكر آبائه وأمهاته بقوله والذين من قبلكم .

ومن دلائل الآفاق الأرض لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء ومعرفته بحالها أكثر من معرفته بحال السماء وقدم ذكر السماء على ذكر الماء وخروج الثمرات بسبب الماء لأن ذلك كالأثر المتولد من السماء والأرض [ ص: 41 ] والأثر متأثر عن المؤثر وروي أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه فقال له جعفر هل ركبت البحر قال نعم قال هل رأيت أهواله قال نعم هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وأغرقت الملاحين فتعلقت ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح واللوح بأنه ينجيك فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعده قال بل رجوت السلامة قال ممن ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر إن الصانع هو الذي ترجوه ذلك الوقت وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال لعمران بن حصين رضي الله عنهما كم لك من آلة قال عشرة قال فمن نعمك وكرمك ورفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم قال الله تعالى فقال عليه السلام ما لك من إله إلا الله } .

وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه سيفا على الدهرية وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو قاعد في مسجده إذ هجم عليه جماعة منهم بأيديهم سيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم أجيبوني على مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات فقال ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة بالأثقال قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا مدبر يدبر أمرها هل يجوز ذلك في العقل قالوا لا هذا شيء لا يقبله العقل فقال أبو حنيفة يا سبحان الله إذا لم يجوز العقل سفينة تجري من غير ملاح يديرها في جريانها فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها من غير صانع وحافظ فبكوا جميعا وقالوا صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا .

وروي أن بعض الدهرية سأل الإمام الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على الصانع فقال ورقة الفرصاد أي التوت طعمها واحد ولونها واحد وريحها واحد وطبعها واحد عندكم قالوا نعم قال فتأكلها دودة القز [ ص: 42 ] فيخرج منها الإبريسم وتأكلها النحل فيخرج منها العسل وتأكلها الشاة فيخرج منها البعر وتأكلها الظبية فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يده وكانوا سبعة عشر ا هـ .

المراد فالله تعالى هو الخالق للممكنات وللعباد وأفعالهم جميعا قال العلامة الأمير علي عبد السلام على جوهرة التوحيد وليس لقدرة العبد إلا مجرد المقارنة كالأسباب العادية معها لا بها وليس خلق الله تعالى بآلة خلافا لقول ابن عربي للعبد آلة والعبد آلة لفعل الرب ذكره في وما رميت أي إيجابا إذ رميت كسبا فلا تناقض ومع أن الفعل له تعالى فالأدب أن لا ينسب له إلا الحسن بإشارة { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وإن كان معناه كسبا بدليل الأخرى قل كل من عند الله أي خلقا وانظر لقول الخضر { فأردت أن أعيبها } مع قوله { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } .

( والنوع الثالث ) استحقاق العبادة والآلهية وعموم تعلق صفاته تعالى فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الممكنات وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات ( فتوحيده تعالى ) في هذا ونحوه واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه ( والنوع الرابع ) كل لفظ أشهر استعماله في حق الله تعالى خاصة كلفظ الله والرحمن ولفظ تبارك فلا يجوز إطلاقه على غيره تعالى فلا يسمى بالله والرحمن غيره تعالى وتقول تبارك الله أحسن الخالقين ولا تقول تبارك زيد قلت وإطلاق بني حنيفة على مسيلمة رحمن اليمامة وقال شاعرهم :

علوت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا

قال الصبان في رسالته البيانية أجاب الزمخشري عنه بأنه من تفننهم في كفرهم قال المحقق المحلي إلا أن هذا الاستعمال غير صحيح دعاهم إليه لجاجهم في كفرهم بزعمهم نبوة مسيلمة دون النبي صلى الله عليه وسلم كما لو استعمل كافر لفظة الله في [ ص: 43 ] في غير الباري من آلهتهم .

ا هـ قال شيخ الإسلام أي فخرجوا بمبالغتهم في كفرهم عن منهج اللغة حيث استعملوا المختص بالله تعالى في غيره .

ا هـ قال الأنبابي وقد عارض شاعرهم ابن جماعة بقوله :

علوت بالكذب يا ابن الأخبثين أبا     وأنت مغوي الورى لا زلت شيطانا

قال وهؤلاء الأئمة الأعلام لم يقولوا ما ذكر كما لا يخفى إلا بالوقوف على ما يدل على الاختصاص لغة وهو لا يكون إلا باشتراط الوضع عدم استعماله في غيره تعالى إذ من المعلوم أن اختصاص المشتق بشيء بحيث يكون إطلاقه على غيره فاسدا لغة وإن قام مبدأ الاشتقاق بذلك الغير لا يتأتى إلا باشتراط الواضع أن هذا المشتق لا يستعمل في غيره وهو وإن كان بعيدا في ذاته لكن حيث نقل الأئمة الموثوق بهم اختصاصه وجب قبول قولهم ولا عبرة بالبعد كما لا يخفى ودعوى سم عدم الدليل على الاشتراط لا تسمع وأي مانع من كون هؤلاء الأئمة أخذوا عن العرب مشافهة أو بواسطة أنه لا يصح استعمال الرحمن في غيره تعالى وهو دليل اشتراط الوضع فإن ما يحكم به العربي فيما يتعلق باللغة بمقتضى ما يعلمه إنما يكون بسبب حكم الواضع كما لا يخفى وكون العربي يخرج بتعنته عن اللغة ويكابر فيها مما لا يشك فيه .

فالحق هو الجزم بخطأ بني حنيفة في إطلاق الرحمن على غيره تعالى وما أفاده قول الجلال المحلي كما لو استعمل كافر لفظة الله إلخ مع أنه لا يصح ذلك الاستعمال لغة لا حقيقة ولا مجازا مسلم لا يرد عليه أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام لأن سبيل هذا أيضا نقل الأئمة الموثوق بهم فلفظ الجلالة مستثنى بلا شبهة فلا محل لهذا الإشكال ولا لدعوى عدم الدليل على اشتراط الواضع أنه لا يستعمل في غيره تعالى ولا لدعوى أنه يصح جواز إطلاقه على غيره تعالى مجازا بعلة أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام .

وكذا لا محل لدعوى أن المختص به تعالى المعرف بأل دون غيره على أن سهيل بن عمرو { لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 44 ] عليا كرم الله تعالى وجهه في صلح الحديبية بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم قال لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة } وهذا صريح في أنهم كانوا يطلقونه معرفا ومنكرا فلا تنفع هذه الدعوى وكذا لا محل لدعوى أن الاختصاص شرعي لا لغوي ودعوى أنه لا إشكال على القول بأنه شرعي دون القول بأنه لغوي علمت ما فيها وأن الواقع عكس ذلك وعلمت أن دعوى أن علة اختصاصه هي كون معناه المنعم الحقيقي البالغ من الإنعام غايته أو المنعم بجلائل النعم وذلك لا يصدق على غيره تعالى المقتضي أن الاختصاص شرعي لا لغوي لا تصح إذ لا وجه لرد كلام الأئمة الأعلام بمجرد عدم الاطلاع على دليلهم فالحق أن منع إطلاق الرحمن على غيره تعالى لغوي وشرعي وأنه مجاز لا حقيقة له ا هـ .

أي لأن حقيقة الرحمة وهي ورقة القلب مستحيلة في حقه تعالى فالمراد منها لازمها وهو إرادة الإحسان أو الإحسان

( القسم الثاني ) قال الأصل ما لا يجب التوحيد والتوحد به كتوحيده بالوجود لأنه إما عين الموجود أو غيره ومفهومه على الثاني مشترك فيه خارجا وعلى الأول مشترك فيه ذهنا لا خارجا لأن المراد بقولنا وجود كل شيء نفس ماهيته أنه نفسها في الخارج وأما في الذهن فنتصور من معناه معنى عاما يشمل الوجود الواجب والوجود الممكن فوقعت الشركة في تلك الصورة الذهنية فلم يقع التوحيد في أصل الوجود على التقديرين وكتوحيده بالعلم والحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني وأنواعه من الطلب في الأمر والنهي والخبر وغير ذلك لثبوت الشركة في أصول هذه المفهومات وإلا فقياس الغائب على الشاهد بغير مشترك متعذر إذ لا يصح قياس المباين على مباينه وإذا لم يصح قياس للغائب على الشاهد تعذر إثبات الصفات فإنه مستندها وكون السلب في قوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } عاما في الذات والصفات وإن أورده الفضلاء لا يرد لإمكان الجمع بين صحة سلب المثلية المستفاد من الآية وبين صحة القياس بكون السلب باعتبار معاني تلك الصفات والقياس باعتبار [ ص: 45 ] أحوال معانيها النفسانية التي هي غير معللة ولا موجودة ولا معدومة .

فكما نقول كون السواد سوادا وكون البياض بياضا حالة للسواد والبياض غير معللة ولا موجودة ولا معدومة فليس خصوص السواد بالذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا توصف بصفة وجودية حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني كذلك تقول كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج قائمة بالعلم وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات فالقياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب هو حكم نفسي وحالة ذاتية ليست بموجودة في الخارج ومعنى السلب في الآية أن المثلية منفية بين الذات وجميع الذوات وبين كل صفة له تعالى وجميع صفات المخلوقات في أمر وجودي إذ لا صفة وجودية مشتركة بين الله تعالى وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات ا هـ ملخصا .

وتعقبه ابن الشاط ( أولا ) بأن عدم التوحيد والتوحد إجماعا لا يصح لا على أن الوجود عين الموجود لأنه إما باعتبار الوجود الخارجي فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجود منفرد بذاته غير مشارك فيه وإما باعتبار الوجود الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن أفراده كما مر ولا على أن الوجود غير الموجود لأنه إما على إنكار الحال فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجوده وإما على القول بالحال فإما على أن الحال هو الأمر الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن إفراده كما مر .

وأما على أن الحال هو الأمر الذي له ثبوت في نفسه وفي محله فيختص كل من الباري تعالى وغيره بحاله كما سبق في الوجود ( وثانيا ) بأن الشركة في أصول مفهومات العلم وما معه من صفات المعاني كنطق العلم مثلا بين [ ص: 46 ] علمه تعالى وعلم غيره لم يثبت فيتعذر قياس الغائب على الشاهد بل على فرض ثبوتها وعدم التعذر نلتزم بطلان قياس الغائب على الشاهد بمنع اللزوم في نحو قولنا لو لم يتصف بالكلام مثلا لزم النقص لإمكان أنه نقص في الشاهد عندنا فقط كعدم الزوجية والولد فيندفع ما أورده بعض الفضلاء بناء على تسليم صحة القياس ولا نسلم تعذر إثبات الصفات ببطلانه إذ لا يتعين مستندا لإثباتها فلا حاجة للجواب عن الإيراد المذكور بما لا يصح إلا على القول بالأحوال والحق خلافه ا هـ بتلخيص وتوضيح للمراد .

قلت وقوله إذ لا يتعين مستندا لإثباتها أي فإنها قد تثبت بورود إطلاق مشتقاتها عليه تعالى والأصل في الإطلاق الحقيقة مع إجماع أهل الملل والأديان وجميع العقلاء على الإطلاق المذكور نعم في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد وفي الخيالي على الاستدلال بالمشتق يقتضي ثبوت المأخذ في السعد إن أرادوا اقتضاء ثبوت المأخذ في نفسه بحسب الخارج فمنقوض بمثل الواجب والموجود أي مما لا يقتضي الغيرية وإن أرادوا ثبوته لموصوفه بمعنى إنصافه به فلا يتم ذلك غرضهم .

قال الأمير وقول عبد الحكيم في دفع النقض قيل فرق لأن المأخذ أي في صفات المعاني تثبت غيريته مدفوع بأن الغيرية لم تثبت في حقه تعالى عند الخصم وفي الخيالي قال صاحب المواقف لا تثبت في غير الإضافة وفي عبد الحكم عليه ما نصه بالحرف قال صاحب المواقف إلا حجة على ثبوت أمر سوى الإضافة التي يصير بها العالم عالما والمعلوم معلوما قال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي يتعلق بها تكفير أحد الطرفين وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال عندي إن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين وأما من تمرن في الاستدلال فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالبا على اعتقاده بحسب النظر الفكري ولا أرى بأسا في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة ا هـ .

قال الأمير ولو اختير الوقف لكان أنسب وأسلم من [ ص: 47 ] افتراء الكذب على الله تعالى وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازما بأنه على كل شيء قدير مقتصرا عليه مفوضا علم ما وراء ذلك إليه لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر :

وهل أنا إلا من غزية إن غوت      . غويت وإن ترشد غزية أرشد

قال وقال الشعراني في اليواقيت يتلخص من جميع كلام الشيخ الأكبر رحمه الله أنه قائل بأن الصفات عين لا غين كشفا ويقينا وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب ا هـ .

ثم قال الأمير بعد أوراق قال الشمس السمرقندي في الصحائف والخلاف في كون صفات المعاني ليست بغير الذات كما للجمهور أو غيرها نظرا للمفهوم وزيادة الوجود وإن لم تنفك كما لبعضهم خلاف لفظي ولكون الصفات ليست غير أوقع في بعض العبارات التسمح بإضافة ما للذات لها نحو تواضع كل شيء لقدرته وفي الحقيقة اللام للأجل أي تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته وإلا فعبادة مجرد الصفات من الإشراك كما أن عبادة مجرد الذات فسق وتعطيل عند الجماعة وإنما الذات المتصفة بالصفات وفي الحقيقة الذات من حيث هي ذات لا سبيل لها وإنما حضرتها وحدة محضة حتى قالوا إن في قولهم في الذات تسمحا لأن بتجليها يتلاشى ما سواها وإنما الآثار ممسوكة بالصفات فكيف تنفى وإذا وصل العارف لوحدة الوجود في الكون فلا يتوقف في التوحيد مع ثبوت الصفات ولا يعقل افتقار في ذات اتصفت بالكمالات فلا تغتر بما سبق عن الشيخ الأكبر يعني قوله في باب الأسرار بناء على ميله لنفي زيادة الصفات من الأدب أن تسمى الصفات أسماء لأن الله تعالى قال { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } وما قال فصفوه بها فمن عرفه حق المعرفة الممكنة للعالم سماه ولم يصفه قال ولم يرد لنا خبر في الصفات إلى أن قال وقد قال تعالى { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } فنزه نفسه في هذه الآية عن الصفة لا عن الاسم فهو المعروف بالاسم لا بالصفة كما في يواقيت الشعراني أواخر المبحث الحادي عشر فتأمل بتدقيق فهو غاية التحقيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث