الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في الحث على الصبر في طلب العلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولما فرغ الناظم رحمه الله تعالى من آداب النكاح ومتعلقاته . أخذ يحض على الاجتهاد في طلب العلوم والرحلة في إدراك منطوقها والمفهوم . لأنها سلم الخيرات . ومفتاح السعادات . فلا يفتح باب خير ويرتقي إلى أوج مكرمة إلا بالعلم ; لأنه الطريق المستقيم . والسراج المنير . فمن اقتبسه نجا . ومن ضله هوى في مهاوي الهوى .

فقال رحمه الله تعالى : [ ص: 444 ] مطلب : في الحث على الصبر في طلب العلم : فكابد إلى أن تبلغ النفس عذرها وكن في اقتباس العلم طلاع أنجد ( فكابد ) أي قاس في الطلب . يقال كابده مكابدة وكبادا قاساه .

والاسم الكابد . أي فاطلب وجد واجتهد وقاس الشدائد ( إلى ) أن تنتهي إلى أقصى الحالات وهي ( أن تبلغ النفس ) في الجد والاجتهاد ( عذرها ) فإن حصلت علما كان هو المقصود . وإلا عذرت في بذل المجهود .

وروى الطبراني في الكبير ورواته ثقات عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الأجر ، ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر } .

ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله عنه :

    سأطلب علما أو أموت ببلدة
يقل بها هطل الدموع على قبري     وليس اكتساب العلم يا نفس فاعلمي
بميراث آباء كرام ولا صهر     ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى
ليطلب علما بالتجلد والصبر     فإن نال علما عاش في الناس ماجدا
وإن مات قال الناس بالغ في العذر     إذا هجع النوام أسبلت عبرتي
وأنشدت بيتا وهو من ألطف الشعر     أليس من الخسران أن لياليا
تمر بلا علم وتحسب من عمري

وذكر الإمام المحقق ابن القيم في مفتاح دار السعادة قول بعض السلف : " إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم " قال : وقد رفع هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه إليه باطل .

وحسبه أن يصل إلى واحد من الصحابة أو التابعين . قال وفي مثله قال القائل :

إذا مر بي يوم ولم أستفد هدى     ولم أكتسب علما فما ذاك من عمري

( وكن ) أنت ( في اقتباس ) أي استفادة ( العلم ) يقال قبس يقبس منه نارا ، واقتبسها أخذها ، والعلم استفاده . قاله في القاموس .

وفي حديث علي رضي الله عنه : { حتى أوري قبسا لقابس } قال في النهاية : أي أظهر [ ص: 445 ] نورا من الحق لطالبه . والقابس طالب النار وهو فاعل من قبس . ومنه حديث العرباض رضي الله عنه : { أتيناك زائرين ومقتبسين } ، أي طالبي العلم .

وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه : فإذا راح اقتبسناه ما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أعلمناه إياه ، انتهى .

وفي القرآن العظيم { انظرونا نقتبس من نوركم } فمراد الناظم أن تكون أيها الأخ الباذل جهده في طلب العلم واستفادته ( طلاع ) أي قصاد ( أنجد ) قال في القاموس : ورجل طلاع الثنايا والأنجد كشداد مجرب للأمور ركاب لها يعلوها ويقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه أو الذي يؤم معالي الأمور ، انتهى . والأنجد جمع نجد وهو ما أشرف من الأرض والطريق الواضح المرتفع وما خالف الغور أي تهامة ، وتضم جيمه مذكر ، أعلاه تهامة واليمن ، وأسفله العراق والشام ، وأوله من جهة الحجاز ذات عرق . قاله في القاموس .

وقال في النهاية : والنجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق : وفي لغة الإقناع للحجاوي : النجد ما ارتفع من الأرض ، والجمع نجود ، مثل فلس وفلوس ، وباسم الواحد سميت بلاد معروفة من عمل اليمن وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة . قال ابن خطيب الدهشة : وأوله ناحية الحجاز ذات عرق وآخره سواد العراق .

قال في التهذيب : كل ما وراء الخندق الذي خندقه كسرى على سواد العراق فهو نجد إلى أن يميل إلى الحرة ، فإذا ملت إليها فأنت في الحجاز . وفي المطالع : نجد ما بين جرش إلى سواد الكوفة ، وحده مما يلي المغرب ، الحجاز على يسار الكعبة ، ونجد كلها من عمل اليمامة .

وقال الجوهري : ونجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور ، والغور هو تهامة كلها ، وكلما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر ، انتهى .

ومراد الناظم رحمه الله تعالى أي وكن مجربا للأمور وقاهرا لها ومحكما معرفتها بدقة النظر وحسن التجارب وإتقان ما تقبسه من العلوم والمعارف ، كثير الرحلة في تحصيل العلوم ، عالي الهمة في التطلع على دقائقها وإتقان حقائقها .

[ ص: 446 ] وفي صحيح مسلم { لا ينال العلم براحة الجسم } . وقال بعضهم : العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه .

وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة } . وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجه واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد .

عن زر بن حبيش قال { أتيت صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه فقال ما جاء بك ؟ قلت أنبط العلم ، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع } قوله أنبط أي أطلبه وأستخرجه . وعن قبيصة بن المخارق رضي الله عنه قال { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي يا قبيصة ما جاء بك ؟ قلت كبرت سني ورق عظمي فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به ، قال يا قبيصة ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك . يا قبيصة إذا صليت الصبح فقل ثلاثا سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من الحمى والجذام والفلج . يا قبيصة قل اللهم إني أسألك مما عندك ، وأفض علي من فضلك ، وانشر علي من رحمتك ، وأنزل علي من بركاتك } رواه الإمام أحمد . وفي إسناده من لم يسم .

وروى الترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع } .

وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابا إلى الجنة ، وفرشت له الملائكة أكنافها ، وصلت عليه ملائكة السموات وحيتان البحور ، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء ، والعلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكنهم ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظه ، وموت العالم مصيبة لا تجبر ، وثلمة لا تسد ، وهو نجم طمس . موت قبيلة أيسر من موت عالم } ورواه الترمذي وابن [ ص: 447 ] ماجه وابن حبان في صحيحه وليس عندهم وموت العالم إلى آخره . ورواه البيهقي أيضا .

وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا { اللهم ارحم خلفائي ، قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس } .

ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله عنه قوله :

تغرب عن الأوطان في طلب العلا     وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
إزالة هم واكتساب معيشة     وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذل ومهنة     وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته     بدار هوان بين واش وحاسد

ومر أن الإمام أحمد لما سمع أن عند رجل أحاديث عوالي وراء النهر رحل إليه .

وذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر أن الإمام أحمد رضي الله عنه دار الدنيا مرتين حتى جمع المسند . ولم تزل الرحلة في العلماء مطلوبة ، وهي إلى الأئمة والأخيار منسوبة ، وحسن ذلك شاع وذاع ، وملأ الأسماع ، فلا نطيل بذكره والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث